القصة رقم 19
توأم الروح
لو جمعتها ما جمعت ولو تعاهدت أن تلتقي ما التقت لكن ، تتظافر الأحداث و تتكامل العناصر فيما بينها و ذلك سر من الأسرار، فحين تسموا الأنفس ببعضها فإن الكون يضيء طريقها ، فترى الخلائق تنشر المودة و تزرع المحبة من حولها ، وكل دابة تطأ أديم الأرض لابد و أن تجد مسكنها ترنوا إليه و تميل نحوه و تزهر إحساسا يلامس البواطن في الفؤاد ، و تحرك الأشجان في الصدور .
هذا وميض يلقى بسحابة من نور و ذلك شهاب يلاطم الدجى ، و الأحياء بغير حب أموات في أجساد تصطخب عروقها ، ومن لا يعشق هو قلب ينتفض في فراغ ، و جسد لا تفوح منه نشوة الوله هو جلد يطرح التراب .
بين سكرة النوم و صحوة العين تنجلي أمامه غمامة نحاسية اللون شفافة المنظر فاتحة له باب بتسان يخلب الناظر و يلسب عقل المتبصر ، هناك أزهار أقحوان و السمسم و الريحان ، أشجار التوت تكتنف الجوانب و من بعيد غزالة تمرح في العشب ، تسلل بحذر ، اختبأ خلف الأحجار اقترب منها وعلى غفلة منها مد يده محاولا امساكها فطارت تقفز هاربة ، فتح عينيه فوجد الظلام يلف الغرفة .
تقلب في فراشه يمنة و يسرة و تحت ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة رأى زوجه تغط في نوم عميق ، تبصر في وجهها ، بريئة هادئة تساءل مع نفسه :
ـ أي خصلة حميدة فعلتها كي تجود علي السماء بهذه النعمة ، جوهرة ثمينة وما أرخص الجواهر دون وجودها ، قطرة عسل مصفى ، وما قيمة العسل إن غابت عن الدنيا ، مثل سكر مذاب على الريق وما حاجة السكر إن ابتسم ثغرها ، بوجودها تكتمل معالم الحياة ، هي النصف و الكل ، القلب و النبض ، الجسد و الروح ، ظلمة السجن خير من غيابها ، وحشة القبر أهون من هجرها ، قليل مما تجود يمناها تطرب لها القلوب المضطربة ، و القليل مما تعطي لا يقال عنه قليل .
رفع الغطاء بمهل فقادته خطواته أمام النافذة ينظر للنجوم الساهرة ، غاب بأفكاره فسمع تقلبها في الفراش ، رفعت رأسها متسائلة فقامت متجهة نحوه ، جلست بجانبه و النعاس يغالب جفنيها ، إنها كطلعة البدر ، و نسمات تفوح منها تعيد الروح لمستقرها ، سباقة دوما في قراءة الأفكار ، تقدم المساعدة بسخاء ولا تنتظر الجزاء ، قطعت ذلك الشرود في عينيه و سألت :
ـ ما بك لا تنام .
استقر بصره فاحصا عينيها التي تشكف لها الحجب مع وجنتين تحمل السعادة عن آخرها ، كيف لهذا الجمال أن ينجوا من مكر العادة و سم الضجر ، ألا سحقا لكل من يتجبر بضعف المرأة وكل من يهمل عواطفها.
عندما لم تجد جوابا وضعت يدها تربت على كفته و قالت :
ـ ما بك يا زوجي جفاك النوم أو هو الأرق ؟
ـ أشعر ببعض القلق .
قامت فزعة ثم التصقت به وهي تمسح على ظهره :
ـ خيرا يا أغلى ما في الدنيا مالذي يقلقك ؟
خفض رأسه للأسفل و قال بصعوبة :
ـ قلق عليك .
احمرت خجلا و غابت عبراتها و ضربته بكف العتاب و هي تقول و الإبتسامة تنساب عذبة مع حروفها :
ـ كيف تقلق علي و أنت نعمة من السماء و هدية من الرب و قرة العين ، ترعاني و تزيح الأذى عن طريقي ، إن نساء العالم يحسدونني و الغيرة تطحن قلوبهم ، أما ترى كم نحن سعيدين ببعضنا . لا تعد هذه الكلمة فما دمت جانبي لا تحمل ما لا يستحق القلق .
رفع رأسه بجهد و الكلمات لا تسعفه للنطق و قال بصوت ضعيف :
ـ سوف أتزوج .
تسمرت للحظة وضعت يدها على فمها ، شحب وجهها ثم أطلقت صرخة أفزعت الكائنات في مراقدها و سقطت تنتحب و تنذب حظها :
ـ ما كنت أظن أن طليعة مصائبي ستكون على يد زوجي ، الويل لي فيما قصرت وما الجريرة التي اقترفتها حتى تقع علي هذه المصيبة ، أما كنت بارة بك ، مطيعة لك ، تحت أمرك و في خدمتك ؟
ـ لا أنكر هذه الأفعال وما أكثرها .
ـ وما جزاء من يحسن لك ؟ خبرني ما نقص كي أزيد و ما منعت كي أعطي وما حرمت كي أهب و حياتي كلها رهينة بين يديك .
ــ لا يوجد شيء جميل لا تحملينه ، أنت الزيادة و الكمال ، و العطايا منك لا تعد لا تحصى .
هرعت نحوه تحاول ضمه بين دراعيها و الدموع تغسل مواجعها وقالت باختناق :
ـ أقسم عليك بكل مقدس أنت عابده و أقسم عليك بالحياة التي عشتها معي و كل الأوقات الجميلة التي قضيناها معا أن تقول لي ما سبب رغبتك بالزواج ؟
ـ كل ما ذكرت هي بحد ذاتها الأسباب .
دفعته بانفعال و عادت تأن بحرقة و الدموع تتدحرج بسخاء :
ـ كيف سولت لك نفسك أنني أقدر على من تشاركك الحب و أصبر على من تقاسمها الفراش و حين تنام معي أشم فيك ريحها ، و أنى لي طاقة أن يقترن قلبك بقلبها و أصدق قولك لي وهو نفس القول لها ، أما عهدت لي أن لا تنظر لغيري ، هل نسيت وعدك أن تكون لي وحدي .
مال برأسه للخلف و قال :
ـ أريد أن أعيش السعادة مرة أخرى و أذوق طعمها ، أود بدأ مغامرة جديدة تحمل الحب الجامح و العشق الفياض و الجنون في الظلام ، و الطيش ساعة الغسق ، و العبث أوقات الفراغ .
ـ يا ويلتاه أما نعيش ما ذكرت ، أما شبعت واكتفيت و حبنا ذاع صيته الأسقاع و عشقنا يمتدح به الشعراء و من هي سعيدة الحظ التي ستبادلك هذا الذي تحلم به ؟
استقام بقامته و جثى على ركبته مقربا رأسه منها و همس في أذنها :
ـ إنها أنت .
من وقع الصدمة توقفت عن البكاء و أردف يقول :
ـ نعم أنت ، أود الزواج منك مرة أخرى و ثالثة و رابعة و ألف ، أحاول أن أشبع منك ولا أشبع أتمنى أن أكتفي منك ولا أكتفي ، أجدني ألتحم بك كلما ابتعدت ، أفكر بك كلما غفلت ، أنت بكل عبارات الدنيا ، حياتي .
محمد عزيز سلطان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق