موسيقى

الأربعاء، 28 فبراير 2018

أبو غـــفارا..

Mohamed Jlaidi
******
قصة قصيرة :
- أبو غـــفارا..
صَفْوُ السماء من كدر الغيم، زاد زرقتها توهجا.. فارتسم في الأفق خط التماس أنيقا.. فيم اتَّشَح البحر بتراتبية لونية ، أقربها إلى رمال الشاطئ : تشكيل من البياض الثلجي،وأبعدها مدىً:زرقة داكنة..وبين اللونين بساطان مائيان، أحدهما أزرق فاتح،بينما الثاني يميل إلى الإخضرار المنبهج. قرص شمس هذا الصباح ، تربع على عرش الزرقة المتوهجة ، وجاد بسخاء ، باعثا عبر أشعته المتلألئة ، ما تحتاجه هذه النقطة من الدفء الكافي ..
باغتني أبو غفارا بهذا السؤال:
-ثلاثة أشياء لا يمكن إخفاؤها،فماهي؟
ومن خضم الذاكرة عندما يهدأ تلاطم موجها،أتيته بالجواب:
-الحب والمال والعطر.
فاقترح أن نضيف (الكآبة)إلى الأشياء التي لا يمكن إخفاؤها.
كان مشينا وشاطئ البحر وئيدا.يقودنا حُداءُ الرغبة للإبتعاد في المدى بلا هدى.هاربين كنّا،من صراعات اليومي التي لم يعد لها طعم ولا خط ولا مدلول.عادة،في مثل هذه الأحوال،ما نختلي بنفسينا للإستجمام أو التفكير أو هما معا. نملأ صدرينا بالهواء النقي،لننظف ما علق بالرئتين من بقايا صدإ الهواء الملوث،المهيمن على الفضاء والعلاقات. وبعد حينٍ من الصمت والإنصات لإيقاع الأمواج،وهي تؤلف هديرها
السيمفوني،وتفاعلها مع النغم الداخلي،عاد إلى السؤال:
-ما معنى الكآبة ؟
ومن خط التماس الذي يفصل زرقة البحر عن زرقة السماء،أتيته بالإجابة:
-إذا كان اللون الأبيض هو كل الألوان ،فإن الأسود هو غياب اللون.
لم يطلب مني إبعاد التجريد والإيحاء عن جوابي.لكنه استجلب التشخيص بهذا السؤال:
-ومن هم الأرْهُط الذين لا تفارقهم الكآبة ؟
أبو غفارا هكذا.يستبيح نفسه لثقافة السؤال إذاما تهيأ ليفكر.يستجلب ما أمكنه ليعلل أحكامه النقدية.يعادي بشراسة أحكام القيمة، ويعتبرها كسلا فكريا ،لا تتعدى بالمرء حدود السِّباب. اكتسب ذلك بتجربته الغنية في العلاقة بالحياة والنَّاس ، وبسنوات عمره المديد،الذي قضاه في خضم الإهتمام بقضايا البلد والعصر والتاريخ .جمعتنا الإهتمامات العامة والخاصة.معه أرتاح في تشابك علاقتنا الإنسانية الـتـي تفيض رقة وحنوا وحبا واحتراما.. أعمل دوما بنصيحته التي ، بكثرة ترديده لها حفظتـها كمـا يسـوقها:
-( إنْسَ ما قرأت وَامْحُ ما كتبت . فالفكر نهر دائم الجريان . و لا يمكن أن يستحم فيه المرء مرتين . كمــا قــال هيراقليطس الإغريقي في شذراته الفلسفية،والذي لقبه فلاسفة اليونان بالفيلسوف الباكي !!)..
ومثلما يُنَشِّط أبوغفارا ذكاءه التأملي ، يشتغل بوعي على تنشيط باقي الذكاءات ، ولا ينسى الذكاء العاطفي على الخصوص ، لما له من أهمية في توجيه العواطف والمشاعر،لتطابقَ فهمه ل(اللذة الوجودية)،التـي تربط الإنسان بالحياة.
عن سؤاله قلت:
-لقد حسم المعلم الأول في تحديد الأرْهُط الذين لا تفارقهم الكآبة.وأظن أن حسمه ورد في مؤلفاته الشعبية التي وجهها للعامة خارج مدرسته.وهؤلاء ستة هم : حقود، حسود، حديث عهد بالغنى، غني يخشى الفقر،طالب رتبة لاتسعفه قدراته للوصول إليها ؛
و جليس لأهل الأدب وهو ليس منهم.
قال معقبا على كلامي :
-هم ستة في عهد المعلم الأول وما تبدى له من خلال مجتمعه في شرطه التاريخي.أما نحن فقد راكمنا إلى أصحاب أرسطو الستة ، آخرون وهم كثر،منهم على سبيل المثال لا الحصر : السياسي الذي تلاحقه نكت الهزء من طرف العامة ويلتصق بالكرسي خشية عليه،فيتماهى بالكرسي،ويتماهى الكرسي به. و العامل الذي لا يملك إلا عرقه ،
و يخشى البطالة . والموظف الذي انهكت دخله القروض طويلة الأمد. والمغني الذي يركب مطية الطرب و لا يُطرب. و المهرج الذي يستهدف إضحاك الناس فيضحك لوحده . والمخدوع الــــذي يستفيق على الخديعة ، ويعلم بأنه آخر من عَلِم . ومن يرغب في الشفقة ولا يشفق عليه أحد . والمُتَفيْقِــهُ الذي لايلتفت إليه أحد.والكذاب الذي يكمل له الناس كذبَه..
توقف أبو غفارا عن الكلام ، ليفكر في مثل هذه الأنماط من الشخصيات ، كي يواصل استعراضها.ولما فاض بها الكيل داخل دماغه ، تأفف ، وكأني به يلقي بالكآبة، وبها كمفهوم ،وبأرْهُطِها جميعهم ؛عنه ،في زرقة الماء !! ومن الإنتشار الأزرق اشتعلتْ دواخله وهجاً، فاسترد الطفل الذي يسكنه !!!
لحظتها غمرت أسارير وجهه ابتسامة عريضة، وانفجر بعدها ضاحكا،ثم قال:
-اختم الجولة آ(سي الفقيه) ، لقد تحررت وشُفيت .
وأنا أكفكف دمع عيني من الضحك،على طريقته في التحرر من كآبته اللحظية ؛ قلت خاتما الجولة كما طلب:
-ما قيمة الإنسان بلا اشتعال داخلي يربطه بالأمكنة والنَّاس،ويخلق في كيانه زاوية ما تشده إلى هذه الحياة ؟!
محمد الجلايدي - القنيطرة - المغرب

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

لقاء



**********************لقاء***************

لم يستطع نسيان ذلك اليوم الذي التقى فيه باستاذه الذي درس عنده تعلم ابجديات القراءة وعلمه كيف ياخد القلم بين انامله الصغيرة ليكتب الحروف والارقام ويسطر الخطوط باستعمال المسطرة وقلم الرصاص ويستظهر السور القصيرة من القران الكريم ...
لم يتغير شيء في مظهر هذا الاستاذ او هكذا خيل اليه رغم مرور عقود من الزمن...
نفس اللباس ..الذي يظهره في اناقة لافتة ويسدل عليه هييبة ووقارا ويحيطه بهالة تجلب عليه الاحترام...كان يحمل في يديه مجلدا ضخما يظهر على غلافه عنوانا مكتوبا بحروف كبيرة مدهبة ...لاشك انه كتاب من الثراث الادبي او من كتب الفقه ...
تقدم نحوه مرتبكا ...حياه ذون ان يحملق في وجهه من شدة الحياء
-السلام عليكم استاذي...
-وعليكم السلام سيدي...اسمح لي لم يسبق لي معرفتكم 
بنبرة مرتبكة 
-انا ...انا تلميذكم 
يبتسم الاستاذ...
-انا غادرت الفصول منذ سنين...ذكرني
-انا احمد ...احمد يا استاذ ...احمد الزاهري ...
يضحك الاستاذ من جواب الرجل الكهل الذي امامه ...
-انا ياسيدي درست العديدين بعدك وقبلك فكيف لي ان اتذكرك مع مرور كل هذه السنوات وانت الان رجل في منتصف العمر ....
- انا متاكد استاذي انك ستتذكرني اذا قلت لك اني ذلك التلميذ الذي كان لا يعلم شيئا فعلمته وهذا يكفي ...
حملق الاستاذ في وجه الرجل وطاطا راسه في محاولة لاسترجاع الماضي وحين لم يستطع العثور على صورة الواقف امامه وليخرج من هذا الموقف المحرج نظر اليه وقال 
-على اي انا فخور بك ايها التلميذ ...لانك اشعرتني باني نجحت الى جانب اخرين في تربيتك
وان الدنيا ما زالت بخير ...
***********************محمد بوعمران/مراكش*****************

الاثنين، 26 فبراير 2018

بْلادْ لَعْجَبْ

بْلادْ لَعْجَبْ
مْشات الانتخاباتْ وْجاتْ شَفْنا لَعْجَبْ بِعيْنينا بْلادْنا في لَكْريدي غَرْقاتْ الزْلَطْ وَصَل لَوَدْنينا صْنادَق عامْرا تَّقْباتْ وَحْنا عَمَّرْناها بيدِّينا لِجانْ كْثيرة تْشَكْلاتْ واخْبارْها ما تْلَقِّينا كْروش بالحْرام تْدَلَّاتْ ومن حْوايَجْنا تْعرِّينا كَتَّرو علينا لْمهراجاناتْ وبْنار لَغْلا تَشْوينا لا مَدارس لا صْبيطاراتْ وْلادْنا ضاعو لينا غَرْقو في الخير والامتيازاتْ الخبز النَّاشَف ما لْقينا زادوها بِلَݣْريماتْ وْلَهْراوة إلا دْوينا مشاريع كْثيرا تْحَطَّاتْ وْما شافَتْها عَيْنينا لَمْدُن بالزّْبَل عَمْراتْ وَرْوايَحْها لْخانْزا شَمِّينا أجسادْ بالحُݣْرا تْفَحّْماتْ وَعْلى فْراقْها بْكينا شُبَّان لِلْغُرْبة هَجْراتْ وَلَبْحر دّاهُمْ لينا بْناتْنا لِلْبَرّاني تَهْداتْ وَفْلوسْ لْعَرس عْلينا لَحزاب عْلينا تْفَلَّاتْ لْخَير لِيهم ماشي لِينا زيدْ عْليهُم النَّقاباتْ وَحْنا الله يْكون لينا التّْقة فيهم تْفَقْداتْ لَصْنادَقْهم لا وَلِّينا
بقلم: نورالدين فقري

الأربعاء، 21 فبراير 2018

قصة قصيرة ......حارس السراب ----------------------------
يتذكر لحظاته اﻷخيرة في المدرسة التي غادرها مطرودا ، تأكد المعلمون أنه فاشل في مسايرة حصصه الدراسية ..قضى في الخامس ابتدائي خمس سنوات لم تسطع سبورة الطباشير أن تعلمه شيئا غير نقل التاريخ المدون كل يوم خاطئا ..هو اﻵن امتهن مربي كلاب الحراسة .. يملك خمسة كلاب ، كل واحد أعطاه اسما يتماشى وسلوكه الحيواني ..يفسر نباحها .. يتقمص وفاءها .. يقلد غدرها ..يقلد نباح كل واحد منهم .. هو اﻵن يعرف كل كلب جيد المعرفة ..يعرف نزواتهم وطبعهم وشراستم ..وأوكل لكل واحد مهمة دربه عليها ..وكل كلب له شريط مصور يعرضه على الراغبين في حراسة ممتلكاتهم ..هو اﻵن يحرس مع كلابه الخمسة مكتبا إداريا يشغل العديد من الموظفين الذين كانوا يعرفون كلابه أكثر منه ، لكن مع ظهور الفيس بوك أصبحوا يعرفونه شاعرا وناقدا وروائيا ومحللا سياسيا ومفتي ديني وكاتب قصة ومسرح ... يميزون صفحته بصور الكلاب الكثيرة المكشرة على أنيابها ..كل من جادله وجده عارفا ومعرفا ومعروفا ، والبشرية كلها على خطأ ، وهو على صواب دوما ، مطوع للكلاب ومتأكد من تطويعه للبشر .
لاحظ " أبو العريف " أن كلبه " خملوش " ينظر إليه بإمعان ، فخاطبه : " خملوش .. خملوش ..لن يغلبني الحشيش ولن يذهب بعقلي ..أعرف لماذا تنظر إلي هكذا ؟! تريد أن تفهمني أنه صار في العالم اﻷزرق من حقي أن أبني لنفسي جدارا ، أو أغرد في مواقع التواصل الاجتماعي ، بشكل سهل جدا ، وفي وقت قصير !..اسمعني خملوش جيدا ، أضيف لعلمك أنه صار أيضا بإمكاني أن أنشر كلاما يعجب به اﻵخرون ، وقد يعلقون على كلامي ، دافعين به إلى التعليق على تعليقاتهم ، ومن حيث لا يدرون يدفعونني إلى المزيد من الكتابة ، وللمزيد من الانتظار لعدد الاعجابات ، ولعدد التعليقات . وسيدفعني اﻷمر ، بمزيد من ذلك ، إلى أن أصبح كاتبا مشهورا ..صار لدي جمهور يا خملوش لدي جمهور وهم على جانب مني ، ينتظرون كتابات كاتبهم العبقري ..أقنعتك يا خملوش أم لا ؟! ..دعني أشعل سجارة وأعود إليك .."
بمجرد ما أشعل شجارته الملفوفة ، سمع منبه سيارة أمام البوابة لقد كان في الماضي يسرع في فتحها ، أما اﻵن فهو كاتب مشهور وأحسن من كل موظفي الإدارة بل أحسن من المدير نفسه ..فتح البوابة ، وهو يلعن مهنته ..نظر إليه سائقها نظرة غضب ولم يكلمه ، ورد عليه أبو العريف بنفس النظرة ، وعاد نحو كلابه يتميايل من شدة تأثير الحشيش ..نظر إلى الكلبة " فيرا " ..استفزته بنظرة مماثلة ، اقترب منها وهو يتكلم بصوت مسموع : " عليك الاعتراف اﻵن أن كل شخص صار بإمكانه أن يصبح كاتبا ، بغض النظر عن جودة تلك الكتابة ، وتعلقها باﻷدب ، وصار لكل شخص جمهور ، هم أيضا كتاب يحمس بعضهم بعضا بالاعجابات المتبادلة ، والتعليقات التي يقولون عنها سخيفة ..ربما صارت هناك مدرسة جديدة للكتابة هي مدرسة الفيس بوك وأنا رائدها ..أنا اﻵن أفتخر بعدد اﻷصدقاء و المتابعين لصفحتي ..اعلمي أن الإعلام يتحدث عني ككاتب ممشهور ، تجاوز عدد المعجبين بصفحتي المليون شخص .. تسير أرقام المعحبين بي إلى اﻷمام ..كما يمكن ، في يوم ما ، أن أفوز بجائزة أفضل كاتب في الفيس بوك .. كتابة الرواية و القصة و الشعر و المسرح ... وربما تكون هناك جائزة لأفضل محلل سياسي ، أو افضل مصمم للصفحات ، أو افضل فكرة ...سأكون أنا الفائز ..هناك روائيون وشعراء وكتاب دخلوا هذا السياق وتنافسوا معي ، فأصيبوا بخيبة أمل ، عندما شاهدوا أن كتاباتهم لم تلاقي متابعة أو إعجابا أو تعليقا كما تلاقيها كتاباتي ، وقد تكون كتاباتهم لا تستحق شيئا في ميزان الكتابة والثقافة واﻷدب .. أنا أملك الجمهور الواسع .. صار بإمكاني أن أتحدى الكاتب " سلمون " ، الذي صدرت له خمس روايات ، و سبع مجموعات شعرية .." ، وكل موظفي اﻹدراة أنا الأحسن من الكل في هذا العالم ! "..توقف عن الحديث لأخذ جرعة ماء من الكأس الطيني ، فتبين له أن الكلبة " فيرا " تغط في نوم عميق ، تركها تنام واستدار لأخذ سجارة حشيش أخرى ..تفاجأ حين وجد موظفا وراءه ، لا يدري متى أتى ، دعاه إلى مكتب المدير .. لحظات قصيرة سمع صياحة العالي جدا وهو يررد أمام باب كل مكتب :" أنا الكاتب المشهور ..! ..أنا الكاتب المشهور ..! " ، ارتفع صياحه وهلوسته في الساحة ، وهو يجوب أركانها ..خلع عنه كل لباسه .. رمى بكل الكتب التي أهداها له الموظفون لأنهم كانوا يعتقونه من أصحاب الشواهد المعطلين ..تأكد الكل أنه فقد عقله فاستدعت اﻹدارة سيارة الاسعاف لتأخذه إلى مستشفى اﻷمراض العقلية .
-------------------------------
عبدالرحمن الصوفي / المغرب

الثلاثاء، 20 فبراير 2018

******
قصة قصيرة؛ الخنجر.
على اقدام جبل الاطلس الصغير يجثو مدشر العلواني . يحده جنوبا نهر اختير له من الاسماء "أسبف المال "أي نهر المال..لا يتجاوز سكانه اربعين نسمة. يعتمد في عيشه كباقي المداشر الأخرى على الفلاحة المعيشية،وتمتد حقوله الخصبة على طول ضفتي النهر.كما يعتمد على الرعي وخاصة المعز.
.ذات صباح وكالعادة بعيد صلاة الفجر، الرعاة يقودون أو يسوقون مواشيهم نحو المروج، واذا بهم بجدون اسرة غريبة عن المنطقة قد حطت الرحال قرب الجامع.وتتكون من أب وام وولد وبنت. يبدو عليهم البؤس.يرتذون اسمالا ممزقة ومتسخة .. أسرع احد شباب القرية لمساعدة الرجل في انزال الامتعة من فوق ظهر حمارين ضخمين.
قدم الرجل نفسه للشاب :"أنا موسى. وهذه عائلتي .ونحن نطلب ضيافةالله " أحس الشاب بالحرج فما كان منه إلا أن رحب به ثم طلب منه الاذن ليخبر أمغار اي شيخ المدشر.
اعطاه السكان منزلا يأويه واستحدث منه دكانا للحدادة وصار الجميع يناديه ب أمزيل اي الحداد. وقد بدأ بصنع وتركيب حذوات الحمير و البغال اما الاحصنة فيركبها لها يوم السوق الاسبوعي.وتتغير صناعته وفق الفصول والمواسم :.في فصل الصيف يصنع مناجل الحصاد في فصل الخريف يعرض انواعا من الشفرات الحادة لقطع الاشواك ونشذيب الاشجار ثم في فصل الشتاء يهيء ما يسمى في المنطقة بسكة المحراث وهو الجزء الحديدي للمحراث الذي به يشق الارض. يعمل معه في ورشته أغلب الأحيان ابنه إبراهيم ؛وهو طفل ذكي مثل أبيه الذي يرى فيه طيشه ونزقه. لما كان في سنه.
بعد ان اطمأن على نفسه كما أن السكان أمنوه ، بدا يخرج مهاراته المخزونة والتي لاتعلمعا حتى زوجته.وكي لايثير الشكوك فانه استغل اولائك العجزة الذين يستظلون بعد الزوال بجدار ورشته. للثرثرة ، وكان مرة مرة يامر زوجته بان تحضر لهم الشاي وبعض المكسرات. حتى صار معروفا بكرمه ...ذات زوال.بدأ بالحاج حمو وهو بالمناسبة جاره الاقرب.فقد لاحظ ان خنجره به نفوش فريدة .فسأله بلباقة؛""الحاج حمو هذا الخنجر جيد".وبحسن نية اجاب :" اي نعم جيد فهو ثقيل بالنقرة".
ضحك الحداد بخبث لما شاهد المجموعة كلها تضحك، ولكنه واصل:" الخنجر يقتضي الخفة .خاصة في هذه السن.هههههه." وضحك الجميع الا الحاج حمو الذي بشكل لا ارادي أخفى خنجره مما اثار انتباه الحداد فاردف:"لا تخف لن أخذها منك." احمرت وجنتاه فرد بصوت مبحوح :" هذا الخنجر عمره مساو لعمر الدوار .انه لجدي الاول الذي وضع اول حجر اساس لدوارنا.ثقيل لانه هو التاريخ انظر فهومنقوش بطريقة مثيرة ..." لمعت عينا الحداد وخفق قلبه كما سال لعابه وقال في نفسه :::"انها هي المقصودة،شكرا للرب على هذه السرعةفي الوصول الى الهدف..." وحتى لا يلحظ الاخرون ارتباكه قال:"ورثت عن ابي حرفة صنع الخناجر واذا اردتم ان اجدد لكم هذه(واشار الى خنجر الحاج حمو)وغيرها فانا موجود." قالها وهو يضحك بخبث .
في الوقت الذي رفض فيه هذا الاخير فان عجوزا اخر قبل ان يجدد له خنجره حنى يتمكن من الرقص به وسط النساء خلال رقصة احواش. وبخفة نزعها وقدمها للمعلم امزيل ،الذي لم يتوان في احكام قبضته عليهاوبعينين متمرستين بدأ في سبر اغوار ال الخنجر. وبعد لحظةنشوة وزهو اخذ يمرر يديه الخشنتين عليها كما لو كانت خدا اسيلا. وبصوت رخيم حنون توجه الى العجوز :"هذه قديمة انقضى زمانها منذ مدة .هذا النوع لم يعد مسايرا للعصر."وختم بضحكة تهكمية ،وأن تكن قد انطلت على البعض فان الفقيه الذي التحق بهم الان، أحس ان في الامر لغزا ما، لكنه استصغر الأمر.
بعد اسبوع لاحظ الفقيه تهافت الشباب على الحدادلاستبدال خناجرهم باخرى اخف.وليست من نفس المادة ولما تحدت مع امغار أكد هذا الاخير ان الشباب بطبعه يحب التغيير .
بعد عشية وضحاها صار امزيل ذا مال وشهرة ،خاصة لما أضحى قبلة الزبائن من مداشر اخرى .وهكذا بدا يقرض كل من كان في شدة مقابل فائدة محددة حسب المدة والمبلغ.
وفي صبيحة يوم من أيام السوق الاسبوعي استيقظ السكان على صياح وصراخ ايت الحاج حمو .اسرع كل من لم يذهب بعد للسوق لاستطلاع الخبر. الحاج حمو ،لسوء الحظ ، غير قادر على الكلام. من هول الصدمة. فقط الحاجة زينة هي التي تحكي وتعيد نفس الكلام لكل قادم جديد . ولا واحد يصدق لا ماترى عيناه ولا ماتسمع اذناه.:""انا الان عمري سبعين سنة لم يسبق لنا ان شاهدنا مثل هذا المنظر".وتدخلت امراة عجوز مقوسة الظهر وبيدها عصاصلبة تتوكأ علبها وبفم خال من اي ضرس:""تقول سبعين سنة ! انا فوق المائة لم يسبق لي ان شاهدت متل هذا." كثر اللغط وازداد الحزن ليصير لباسا لكل السكان .منهم من اكتفى بالصمت ومنهم من اقترب من الزريبة ليستطلع السبب واخرون تجمعوا في حلقات صغيرة .لكن النساء لوحدهن والرجال لوحدهم .حتى الاطفال اندهشوا مما رأوه هذا اليوم.
جاء امغار ممتطيا بغلته وهويحثهاعلى الاسراع اكثر .هو نفسه لم يصدق ما حكى له مرسول الفقيه:"هذا غير ممكن .من يجرؤ على فعل هذا؟" واصل حديثه الداخلي طيلة الطريق. ولما اقترب من المدشر ظهر له الناس مجتمعين قرب دار الحاج حمو.
"ياربي السلامة! ماذا حصل!؟اين الحاج حمو؟" أجيب بانه طريح الفراش من فرط الصدمة ولكن والحمد لله الحاجة زينة يمكن ان تحكي كل شيء." امر احدهم بان ينادي عليها.. حكت له ما وقع من خلال انهمار الدموع.
بعد صلاة المغرب تراس امغار اجتماعا حضره كبار السن للتداول فيما حصل... تدخل الفقيه بعد الشيخ امغار :"بعد اعوذ بااله من الشيطان الرجيم .يقول الله سبحانه وتعالى ولا تزر وازرة وزر اخرى.. صدق الله العظيم. وبعد ما حدث هو بفعل فاعل .والفاعل معنا في المدشر ...".قاطعه الحداد :"لا اسيدي الفقيه .هذه لعنة نزلت على هذه الدار والا لماذا هي فقط من بين بيوت المدشر؟ " تدخل الحاج علي وهو من بين الحكماء المشهود لهم برجاحة الراي؛""الحاج حمو رجل متقي .لا يفوته اي فرض. يساعد الفقراء والمحتاجين و...."لكن الحداد سيقاطعه من جديد:""نحن نتحدث عن اللعنة وانت تتحدث عن الفرائض.."لكن امغار سيحسم الامر:"حسب ما عاينت فهناك اثار اقدام لشخص انسل الى زريبة الحاج حمو وسمم كل مواشيه.كل بقراته الاربعة نفقت .ثم حصانه وحتى الكلب لم يسلم من القتل. وسنعرف الفاعل قريبا.افتحوا عيونكم جيدا فقد يكون الفاعل من المدشر المجاور فاغلب سكانه يكرهوننا."
انفض الجمع وعاد كل واحد الى بيته الا الحداد فقد توجه عند الحاج حمو.وجده ملقى فوق زربية مزركشة الالوان.لايقدر على اية حركة سوى تحريك عينيه .بدا يحدثه ولكنه وان كان يسمع فلسانه لايقدر على النطق.وبعد لحظة أبرقت عينا الحداد فارتمى عليه يريد تجريده من خنجره. بدأ يقلبه على جنبه الايمن حتى يتمكن منها ولكن المريض،بدون شك،واع بما يجري .وكانت مقاومته بعدم الاستجابة للحداد.وبعد جهد جهيد نجح في نزعها منه لكن في الوقت الذي هم باخفائها دلفت الحاجة زينة الغرفة فرمقته وبدات تصرخ :"النجدة .!النجدة! سارق. "حاول الهرب لكنها ارتمت عليه كلبوءة وشلت حركته للحظة ثم اسقطها ارضا وكانت كجثة هامدة .وواصل خروجه الا انه اصطدم بالفقيه الذي أشهر في وجهه عصا ه التي يتوكأ عليها .وماكان من الحداد الا ان أخرج الخنجر المسروق محاولا اصابة الفقيه .كاد يفلت منه لولا ان مجموعة من النساء شاهدن كل شيء فاسرعت احداهن تخبر امغار الذي حضر واثنين من رجال الجماعة.وقد فاجأوا الحداد على اهبة الفرار بامتطائه بغلته. حاصروه من كل جهة وبدأوا يخيفون الدابة بالصياح واللكز فصارت تدور وتففز مرة الى الامام ومرات الى اليمين او الشمال الى ان فقد توازنه فسقط مغشيا عليه.
كبلوه ثم أغلفوا عليه في غرفة من غرف الطلبة بالجامع.وما ان انتهوا منه حتى سمعوا عويل النساء وصياحهن .
وجدوا الحاجة زينة بين الحياة والموت.اسرع الفقيه الى الجامع فاحضر جرابا اخرج منه بعض الاعشاب .هيأها على شكل محلول واخذ يضع بعض القطرات في فم الحاجة زينة وفي نفس الوقت يتلو بعض الايات القرانية.تأكد من جديد ان قلبها لازال يخفق .أمر الجميع بتاجيل البكاء والعويل فالمراة لازالت حية..دثرها برداء صوفي ثم طلب من الجميع مغادرة المكان.
توجه امغار والحكماء الى الحداد فوجدوه منهمكا في تكسير القفل بهدف الهرب.تركوه يتمم عمله.وما أن فتح الباب حتى عاجله امغار بضربةكادت تصيب راسه ؛لكن الفقيه تدخل لمنعه من الانتقام الاعمى خاصة وان عائلة الحاج حمو هي فرع من نفس الشجرة العائلية.قال الفقيه:""يجب ان يخبرنا عن السبب الذي دفعه الى هذه الجرائم.".طأطأ امغار راسه مزكيا كلام الفقيه.
اغلقوا عليهم الغرفة وبدأوا في استجوابه:"من أنت؟ قل بصراحة والا علقناك مقلوبا في جذع أكبر صفصافة عندنا. وستبقى لبلا ونهارا حتى تقر. ما رأيك؟"
في الاول اكتفى بالتحديق اليهم بفزع لكنه اخيرا نطق :"""اسمي ليس موسى وانما لحسين من مدشر بعيد من هنا .اسمه مدشر ايت بلا.وقد ارسلني امغار ذلك ا.لمدشر ."تبادل المستجوبون النظرات وحاروا هل يصدقونه ام يكذبونه. وفي الاخير قر رايهم على انتظار الغد ليقرروا ما سيفعلون.
في اليوم الموالي استفاقت الحاجة زينة فاسرعت زوجة الحداد مرفوقة بابنيها تتوسل اليها مقبلة راسها و يديها وقدميها وابنيها فعلا مثلها لتصفح عن أبيهما . طلبت الحاجة زينة حضور الفقيه وامغار .اسرعا للمثول امامها. اراد ان يتكلما لكنها اشارت لهما بان يسمعا ما ستقول:" امانة في اعناقكما اطلقا سراح الحداد موسى."اراد الفقيه ان يصحح بان اسمه الحسين ،لكنها رفضت تركه يتكلم. ""أطلقا سراحه كل شيء سبخلفه الله.انا زرت مقام النبي صلى الله عليه وسلم، واهم شيء تعلمته هو الصفح والغفران. الله سبحانه وتعالى يغفر ويصفح ونحن لا.....؟" حاول قطع كلامها لكنها منعته:"الرجل عندو مراة وجوج اولاد .انا هذا هو قدري."
في الحين اعطى امغار امره لأحد المرافقين لاطلاق سراح الحداد. واخبره كيف توسلت زوجته للحاجة وان هذه بقلبها الكبير قد عفت عنه وانه الان حر.
لم يصدق ما سمع. "غريب امر هؤلاء ""كل هذا ويصفحون عني ؟غريب والله غريب.!""
بعد شهر من الحادث المؤلم تعافى الحاج حمو من صدمته.واقترحت عليه زوجته طلب قرض من الحداد .وافق هذا الاخير لكنه اشترط ان يعطيه الخنجر المعلوم كضمانة الى ان يسدد الدبن.""ولو اقتضى الامر ان أشحث في السوق الاسبوعي ولا أتخلى عن الخنجر.""
اضطر لعرض قطعة ارض جيدة للبيع.ولم يجد اي مشتر غير الحداد الذي قدم ثمنا هزيلاجدا. واضاف قطعة اخرى والثمن الاجمالي لم يتجاوز النصف من المبلغ الذي كان يطلب.واخيرا وافق .
صار الغريب الحداد صاحب ارض وصارت له نفس الحقوق .وبعد مدة قصيرة جاءت اسرة اخرى قال الحداد انها من عائلة زوجته.فاسكنها في احدى القطع الأرضية التي اشترى. ثم وهذا ما اتار استغراب السكان الاصليين هو توافد الغرباء بكثرة .شيدوا لهم معبدا .وشيئا فشيئا تداعوا الى المدشر وشكلوا اغلبية السكان.
لاحظ امغار انهم اكثر تنظيما وتهافتا على المال واقتناء الاراضي مهما كان الثمن.ولو بالخداع والحيلة.
أصبح الحدادهو امغار المدشر الجديد بعد الاطاحة بالسابق لان الاغلبية صارت للسكان الجدد.. واول قرار اتخذه هو نقل الجامع من وسط المدشر الى منطقة معزولة وموحشة. ولما رفض الفقيه وباقي السكان اشهر في وجههم الحداد سلاح القروض .:"كل من يرفض قرار امغار اما ان يسدد ما بذمته من دين مع الفوائد واماسينفى خارج المدشر." رد عليه الفقيه :"قروضك سنتأخذها كاملة. امهلنا اسبوعا فقط..".وافق امغار.
في الفجر الموالي غادر الفقيه نحو أبنأء عمومته لطلب المعونة لكن الحداد امغار ارسل اليه من يصفيه في الطريق."من فعل هذا؟ الفقيه رجل صالح .مسكين.! 'كان الحدادامغار ينعيه والدموعتغسل وجهه. . اما الامغار السابق نظرا لتدخله في الشاذة والفاذة فانه تقرر وضعه في الحجر الدائم.كما ان بقية الحكماء اما تم تهجيرهم لانهم يقوضون قوانين المدشر اوتصفيتهم بالسم .اما الحاج حمو فقد تم رصده ،ذات ليلة،وهو عائد من السوق ليعترض سبيله شحصان ملثمان.جرداه من خنجره؛ ثم ألقيا به في النهر. ولم تمكث زوجته بعده الابضعة اشهر.
وفي كل يوم يستيقظ السكان على بقرة اوحصان او...مقتولا مسموما بل حتى بعض الحقول صارت تشتعل بها النار. من يفعل هذا؟:.أمغارالجديد يؤكد للجماعة :"سنقوم بالتحريات اللازمة لمعرفة الجناة ومحاسبتهم ."".وهكذا تم حفظ كل القضايادون اجراء اي تحقيق.
أما أبناء عمومتهم في المداشر الاخرى فانهم علموا بما يجري ولكن ماذا يمكنهم فعله فهؤلاء أغنياء "تصور غيروا حتى اسم المدشر من اسمع الاصلي الى أيت موسى . وصار لهم نفوذ كبير فى المنطقة. لاحول ولا قوة الا بالله."
كانت الفرحة تغمر موسى وعشيرته خاصة لمازارهم احد علمائهم وأثنى على التضحيات التي بذلها موسى وزملائه للسيطرة على ارض جيدة معطاء.وعلى الخنجر رمز الاجداد. ""اليوم من يملك هذا الخنجر يملك هذه الارض .تأملوا معي هذا النقش انه يؤكد أننا نحن وليس غيرنا أصحاب هذه الارض. ."
كان مسترسلا في خطبته لكن حجرا هشم الزجاج واقتحم القاعة في رمشة عين واصابته في رأسه . تحلق حوله باقي المجتمعين لتقديم الإسعافات الأولية له لكن وابلا من الحجارة صار ينهمر عليهم من كل جهة. لم يصدقوا ان يكون الأطفال أشجع من أبأئهم.و.....ولازال الحجر ينهمر...
عمر بنحيدي
20/2/2018

الجمعة، 16 فبراير 2018

Mohamed Jlaidi ‎ا
------
قصة :
- لــقــاء ..

-١-
جلس قرب المنارة المنبتة على رأس اللسان الصخري الذي يفصل النهر عن البحر، وعيناه منشدتان إلى خط التماس الذي يفصل الزرقتين ! العمامة والعقال والكوفية والجلسة : علامات سيميائية أمطرت مخيلتي بالإستغراب !! لذلك لم أقاوم خطوات الفضول وهي تقودني إليه . عن بعد بدا لي وكأنه نورس غطاس ، يحلق بخياله
الخصب ، قبل أن يعود إلى كتابه الذي تلوح منه صفرة فاقعة ، مفتوحةٌ دفتاه على
فخديه . ولما اقتربت منه ، عرفته .
-وهل يخفى عني أبو عثمان عمرو بن بحر البصري ؟!
لقد جمعتني به رحلات البحث عن « المعنى » التاوي خلف حقيقة « الفكرة » و وعاء اللغة . و كم كانت الرحلات تلك ممتعة في عشرتها ومعاشرة شخوصها !! ألقيت التحية ، فعاد إليَّ من الإنتشارالأزرق . مسحني بنظرة ، ورماني بابتسامة ، ثم أشار لي بسبابة يده أن أجلس بجانبه . حدثني وحدّثُّـه ، وكان حديثا ذَا شجون . تكلم عن عصره وحكام عصره وناس عصره . وسُقْت له أهم الخصائص التي تميز هذا العصر فوجدته على دراية واسعة بها وبما آلت إليه تكنلوجيا الإتصال و التواصل وأدواتها، وتطور حياة الناس في غمرتها . ومثلما لم تفارق وجهه التسعيني سمرته الغامقة حافظ أيضا على خفة ظله ومرحه ورهافة سمعة . وعندما حل الغروب ، سكت عن الكلام ، و راح معاودا التحليق بنظره في الأفق . شاركته صمته و اندماجه الجميل في جمال التفاعل الضوئي الذي يرسم لوحة هذا اليوم . كان منشدا إلى المشهد أمامنا بعقل الفلاسفة ووجدان الشعراء ، إلى أن اكتمل الغروب . ولما ارتسم الشفق ، عزَّ علي أن أترك أبا عثمان يقضي ليلته في هذا المكان رفقة عشاق الصيد بالقصبة ليلا . ولكي لا يرى فِيَّ بعض صفات
« أبي الحارث » أو« الهيثم » أو« أبي القماقم » .. دعوته إلى العشاء والمبيت ، فوافق .
-٢-
بالبيت استأذنت أبا عثمان لتهيئ الشاي ، فشكرني بلطف . تركته مع التلفاز ودلفت إلى المطبخ . ولما عدت ب« الصينية » عليها لوازم الشاي ، عاد إلي أبو عثمان من الإبحار في عالم القنوات التلفزية الفضائية . اعتذرت له عن التأخير فقال :
-«لا عليك ، لقد مارست في غيابك ( الكسل الرقمي )»!
ولما بدا له بأني لم أفهم قصد كلامه ، أضاف :
-« إن الإبحار على غير هدى عبر هذه الأدوات ، تجعل المبحر يخرج من إبحاره لا يلوي على شيء ، ولا يدرك بأنه أضاع وقتا ثمينا من حياته . أوليس هذا( كسلا رقميا ) ؟»
أجبت وعلامات الإعجاب بادية على ملامحي :
-« بلى ، هو كذلك بالدقة والتمام »!
-٣-
ولما طاب لنا السمر الليلي بعد طعام العشاء ، سألته سؤال قياس :
-« كيف وجدت عصرنا يا أبا عثمان ؟»
لحظتها انطلق في الكلام بتلقائية في القول وبدون أدنى صعوبة في اختيار الألفاظ كدوال ، فقال :
-«عمرت طويلا. وعايشت إثني عشر خليفة. بعضهم كان ظالما، وبعضهم كان عادلا. والقاسم المشترك بينهم جميعا ، أنهم حكموا إلى خراسان . ومن ظلم منهم وصل ظلمه إلى هناك ، ومن عدل منهم وصل عدله إلى هناك . أما أنتم، فلم ترثوا من ماضيكم إلا الدم ، حتى صار الدم في أعينكم ماء . تقتلون الأئمة وتغتالون الشعراء . وتستبيحون وأد الأطفال والبنات . وتنحرون الشيوخ والنساء . و تسمون ذلك جهادا ضد الكفر . والكفر من حولكم يذكي نار الفتنة بينكم . لذلك فأنتم من سلالة المماليك في صورة السلاجقة . ولذلك فأنتم أبشع أمة أخرجت للناس . ندمت على الوقت الثمين و الطويل والشاق ، الذي صرفته في كتابة « البيان والتبيين » كي لا يضيع بيانكم ، فضاع ! كتبت في «التوحيد» فتعددت آلهتكم ! أما ما كتبته عن «الحيوان» فإنني لم أندم عليه.لأنه ينطبق برؤيته الفلسفية عليكم . وها أنذا بينكم ، أبحث فيكم عني ، فوجدت نفسي في غابة كتابي عن الحيوان . ولما بحثت عن التفاعل النصي مع كتبي ، وجدت ضالتي لدى« الكفرة » ! وشيخِهم السيد«غوغل» جازاه الله خيرا ! لأنه وفر علي جهد التجوال وتعب الترحال . وعثرت لديه على من تعاطى، منكم ومن غيركم ، مع كتبي قراءة وتأويلا . فشكَّلتُ بذلك صورة على التناص الذي فاضت به كتبي في عالمكم الإفتراضي . ولما بحثت عن التفاعل النصي مع كتبي في الأرض ، التي هي أرضي ، وجدت نفسي في منفى ببلدي . فلاأحد ممن لاقيت عرفني . وهذا ما حز في قلبي ، وحملني على استعجال الرحيل إلى قبري ، لولا الصدفة الجميلة التي قادتك إلى اللقاء بي ، فوجدت فيك واحدا على الأقل ممن أحبني وأحب كتبي !»
-٤-
تذكر أبو عثمان ، ما أبدعه من نصوص عن البخلاء ، فسألني بعد أن مَهَّد لسؤاله بتوطئة :
-« أقدر بأنك تعلم أن لكل عصر بخله.يبقى الجوهر ويتنوع التجلي . وأقدر أيضا بأنك تعلم أن أخطر من يهدد الدورة الإقتصادية ، كما تسمونها بلغة عصركم ، هم البخلاء.ولما سألت الشيخ « غوغل »عما تم تأليفه من إبداع سردي عن هؤلاء ، أجابني بأن ما أطلبه غير موجود!باستثناء بعض الأخبار العادية التي نقلها لي عن أشهر بخلاء العالم. - فماذا حصل لمبدعيكم في تعاطيهم مع هذه التيمة ؟! هل طالهم بخل البخلاء هم أيضا ؟! أم في الأمر شيء آخر لا أعرفه ، ولا يعرفه الشيخ( غوغل ) ؟!»
أجبت بما أعرف وأقدر:
-« أظن بأن السرديات في عصرنا ، انجذبت إلى فن القصة والرواية ، وحافظت إلى حد ما على علاقتها بفن السيرة . فيما أنصرفت عن فنون الأخبار والنوادر والمقامة . وإذا كان الشعر« ديوان العرب » في عصركم وقبله ، فإن القصة و الرواية ، يعتبرهما بعض النقاد « ديوان العرب الجديد ». لكن الفراغ في الأخبار والنوادر والمقامة ، تكفلت به المخيلة الشعبية ، فأبدعت فيه واستفاضت . وفن النكتة الشعبية ، يسوق بدون توقف ، نصوصا لاتقل جمالا في الصياغة المضمونية والبنائية ، عن تيمة البخل والبخلاء ، مثلما اقتحم هذا الفن الشعبي بجرأة ، الكثير من المحظور السياسي والجنسي.»
سألني:
-« وهل تعرف نموذجا لنكت عن البخل والبخلاء ؟»
أجبت :
- « نعم ، أعرف .»
قال:
-« إحك ..»
فحكيت :
-٥-
-« مات والد ميسور خرج بالتحايل من براثين الفقر ، فرفض دفن أباه . ولما تجمهرالناس أمام « خربة » سكنه ، للمشاركة في تشييع جنازة أبيه ، خرج لهم ، وطلب منهم أن يعودوا عندما تموت أمه ! استغربوا رفضه ، فقال : سأحتفظ بأبي في براد الثلاجة إلى أن تلتحق به أمي ، وأُقيم لهما معا جنازة واحدة .»
-٦-
..ضحك أبو عثمان حتى اغرورقت عيناه الجاحظتان بالدموع ، وهو يقول :
-« أين هو باب الكرة الارضية ، فإنني أريد الخروج من كوكبكم »!
-٧-
قمت من نومتي ،لأغسل وجهي وأسترد صحوي بقهوتي الصباحية ، وسيجارتي الأولى .. وطيلة اليوم وأنا أردد بغير صوت :
-« ما أروع الحق في الحلم » !!! وبعد كل ترديد أبتسم ..
محمد الجلايدي -القنيطرة - المغرب