موسيقى

الثلاثاء، 29 مايو 2018

غرباء داخل الوطن

قصة قصيرة. غرباء داخل الوطن .
( با العربي) رب أسرة مكونة من اربعة افراد و هو خامسهم، سريع النكتة ،حلو الضحكة ،طيب إلى حد السذاجة .وهذا ما جعله محبوبا من طرف زوجته رقية. و محاطا بزملائه في الشركة ،الذين يتظاهرون بالضحك وهو يحكي إحدى نكته داخل الكفتيريا .
لكنه ذلك اليوم المشؤوم عاد شبه ميت ،لم يسبق لزوجته ابدا ان راته على هذه الحال.:"" فص _لوني من_ الش _ر_كة_ زملائي__ تخلوا عني ، شه _دو_ ضدي . نحر_ظ على _ لضر__ اب...و و وسر_ق_ت وو.و...."" ، نطق بجهد جهيد مخبرا زوجته بصوت متقطع وعينين غائرتين ووجه شاحب .لم تتركه يكمل حديثه ، فبدأت تلطم وجهها وتصيح لما غاب عن الوعي .. تحلق ابناؤه حوله واجمين .لم يسبق لهم ان شاهدوه على هذا الوضع .....وهو ممدد على سرير المرض بغرفة الانعاش ما فتئ يردد:" خونة ،خونة".أخبر الطبيب زوجته وابناءه انه تعرض لموقف صعب جدا والحل هو ان يوفروا له الهدوء بالبيت.وان يحرصوا على موعد تناوله الدواء.
في اليوم الموالي ،توجهت نحو الشركة لمعرفة اسباب طرده من العمل. التقت احد اصدقائه .لاحظت انه اراد تجاهلها.:"" السلام عليكم سي عباس " وبصوته الجهوري رد عليها.التفت جهتهما كل المتحلقين امام بوابة الشركة وهم ينتظرون وقت الدخول:"" سي عباس كيف حالك؟ ،"" ومن وراء ابتسامة صفراء أجاب :"" اختي رقية." ثم مد يده ليسلم عليها .قالت انا لا اصافح .:"" لماذا طرد. العربي من الشركة؟" . في الاول تلعثم في الكلام ،بعدها قال كل شيء:"" زوجك( باالعربي) تعبت معاه. نصحته ان يزيل من دماغه فكرة الدفاع عن حقوق العمال." رقية لم تفهم كلمة واحدة.فألحت عليه أن يشرح اكثر . :"" يريد ان يكون زعيما نقابيا . نصحته أن يفكر في مصلحته الخاصة ولكنه عنيد . أيام المدير الاجنبي كان تصرفه مقبولا ، أما مع المدير الجديد وهوعلى فكرة ابن ناس ،يحب الوطن و يشغل منصبا كبيرا في الدولة ، .أعدى كلمة عنده هي ""نقابة.".. طلبنا منه أن يتقدم باعتدار للمسؤول الجديد ، ولكنه رفض .ركب دماغه . فليتحمل مسؤولية تصرفاته "".
في المساء جاء لزيارته شابان يعملان معه. قالا إنهما يريدان الاطمئنان عليه.وعند مغادرتهما قدما للزوجة مظروفا به مبلغ من المال ،قالا إن العمال ٱكتتبوا لمساعدته في ظروفه هذه . ورسالة من مدير الشركة... .في الوقت الذي نادت ابنها البكر أحمد ليقرأ لها الرسالة ،غادر المرسولان نحو أقرب مقهى حيث تقاسما نصف المبلغ الباقي في جيب احدهما.
كلفت رقية احد المحامين لرفع دعوى قضائية. ضد الشركة للمطالبة بانصاف ( با العربي)،كل مرة تسأله، فإنه يطمئنها بقرب الحكم لصالحهم وفي انتظار ذلك عليها ان تؤدي الاتعاب أولا.
بقي ازيد من سنتين وهوطريح الفراش باعت زوجته كل الاثاث لتوفير الدواء ومصروف البيت،...قبل نهاية السنة الاولى على مرضه طردهم صاحب الشقة لعجزهم عن اداء مستحقات الكراء .اشترت رقية خيمة ونصبتها قرب العمارة وعلقت فوقها الراية حتى لا تطردهم السلطات .وقد علق احد سكان العمارة على هذا الوضع: " لاجؤون داخل الوطن "" لكن جاره اختلف معه مقترحا وصفا آخر :"" غرباء في وطنهم " 
بعد أن قضت المحكمة بحفظ دعوى ( با العربي ) وردت اخبار عن حملة طرد أخرى من الشركة لكل من يجرؤ مناقشة السيد المدير ...... 
اضطرت رقية الى البحث عن عمل . تخلى ولداه الشابان ايضا عن مقاعدهما الدراسية ليبحثا عن شغل . وكانت فرصة للغوص في وحل الادمان على المخدرات واحيانا سرقة و سلب المارة ليلا تحت التهديد بالسلاح الابيض. اما ابنته الصغرى ، البالغ سنها حوالي الثانية عشرة فقد تخلصت من مراقبة امها لتتخلف عن المدرسة و تختبئ وصديقها في قبو العمارة المغلق الباب بالمزلاج والقفل .لكن (سعيد الجن ) استطاع توسيع كوة توجد وراء العمارة للتسلل إلى داخل القبو .كانا يقضيان النهار كله دون ان يثيرا الشبهات. لكنها حين رافقت امها الى الحمام العمومي.لاحظت رقية ان ابنتها ليست عادية. ..في الاول انكرت لكنها. في الاخير اعترفت بعلاقتها مع (سعيد الجن .).
حين تماثل للشفاء وجد اثنين من أبنائه في السجن،اما تلك التي كان يدللها ويناديها اميرته فقد وضعت طفلا سفاحا وهي لازالت طفلة ،.حتى زوجته رقية فهي تغادر البيت الخيمة منذ الصباح الباكر ولا تعود الا ليلا.... انتكس. صار شيئا من الاشياء المتراكمة حوله ...
عمر بنحيدي 29/5/2018

السبت، 26 مايو 2018

جـــــــــــاري مـا هـو جــــار

جـــــــــــاري مـا هـو جــــار
يــــــــزرع الكـره ؤ يحصد الــــــــــعار
ظــــــــــــــالم يتعدى ليل ؤ نــــــــــهار
شـــــــــــــكون دارك علينا واصــــــــــــي
ؤ أ نـــــــــــــــــت من القــــــــوم العاصي
بـــــــــــك جاعو الأولاد ؤ تقتل نــــــــــاسي
تخـــــــــــرب داري ؤ تـــــــــــــــريب ساسي
كل مـــــــــــــا جرى لي بسبابــــــــــك نقاسي
ؤبـــــــــــــــظلمك طار مـــــــــــن العين نعاسي
طــــــــــــــاغي بلا منع ؤ لا رقـــــــــــــــابة
ســـــــــــــاير ؤ غادي بقانون الــــــــــــــغابة
فـــــــــــــــــــي كتافك أ مم كــــــــــــــــدابة
ؤ أ نــــــــــــــــت ظالم تتحدى ؤ تــــــــــــــزيد
بـــــــــــــــاغي الناس ليك تكون عـــــــــــبيد
تقــــــــــــــــتل ؤ تغتصب بنـــــــــــات ؤ أ ولاد
تــــــــــــــــــخرب ؤ تقول نصلح البــــــــــــلاد
تكشـــــــــــــــفت يا ظالم أ فعالـــــــــــــــــــك
خــــــــــــــوي البلاد ؤ ارجع فــــــــي حالــك
أ رض فليــــــــــــــــسطين نساها من بالـــك
راه الإنـــــــــــــــتفاضة هي الإنتفاضــــــــــة
ؤ علــــــــــــــــى الحرية تكون الشــــــــــهادة
تــــــــــــــــــــــزرع الكره ؤ تحصد العـــــار
لا مــــــــــــــــن بغاك ليه تكون جــــــــــــــــار
ظالــــــــــــــــــــم ؤ غـــــــدار ؤ سفــــــــاح
ؤ بيــــــــــــــــــــدك تقـــــــــــــــــتل الأرواح
ؤ عاد نفســــــــــــــــــــــــــــــــك ترتاح
كلمات الزجال
لحسن بوعاد

مذكرات تعيس الغلبان ) إعدام ميت

نص من مخطوطتي القصصية ( مذكرات تعيس الغلبان )
إعدام ميت
الموت يرقبنا ... يتعقبنا واحداً تلو الآخر ... جاءني يوماً .. أخذ بيدي .. أراني جميع من رحلوا ... ثم غاب ردحاً من الزمن .. ولما عاد كانت الدائرة تدور حولي ... كان الدور دوري ...
سجى جسدي ... خيم الحزن على بيتي ... عبث الأغراب بخصوصياتي ... جلست أختي قرب رأسي ... بدأت تمسح جبيني المتعرق ... أخوتي تفرقوا : أحدهم ليحفر القبر ... والآخر ليحضر الكفن ... أما الآخرون فبدأوا بتجهيز الخيام لاستقبال المشيعين ... زوجتي بدأت بتلاوة سورٍ من القرآن ، وكثيراً ما أوقفتها نوبة البكاء ... ولديّ شغلا بالدعاء لي ... وكثيراً ما خنقتهما العبرات فتوقفا ...
أدار أحدهم مفتاح المذياع ... جاء صوت المذيع ينعيني : " تعيس الغلبان يموت منتحراً " .. تعساً لهذا المارق ما الذي دعاه للكذب ؟ … أهي الأوامر ؟ أم أنه إتّبع المثل الذي يقول : (الكذب على الأموات ) ؟ … ألم يعلم أنهم دسوا لي السم ولم أمت ؟ ... وأنهم صعقوني بالكهرباء ولم أمت ؟ ... ألم يعلم أنهم أطلقوا الرصاص عليّ ولم أمت ؟ ... وأنهم علقوني على أعواد المشانق ولم أمت ؟... وأنهم رموني في اليم ولم أغرق ؟ .. ولم أمت ؟ ... وأشعلوا بي النار فكانت علىّ برداً وسلاماّ ولم أمت ؟ ... واليوم وعندما أبعدوني اصطادني الموت وبعدت .
" اللهم اغسله بالماء والبرد ... ونقه من خطاياه كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس " قال أحدهم ... " اللهم إن كان محسناً فزد في حسناته ... وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته " أردف آخر ... تعساً لهذين المنافقين .. ما أحببتهما يوما .. وما أحباني .
أربعة اقتربوا مني .. حملوني إلى منضدة توسطت صحن الدار .. جردوني من ثيابي ... عارياً أصبحت وسط حفنة من العيون ... صرخت ... لم أسمعني ... تلاشت كلماتي تحمل في طياتها ألف سؤال : أين ولديّ ؟ … أين زوجتي ؟ ... لمَ تركوا أولئك الغرباء يعيثون فيّ تجريداً ؟ ... لمَ لمْ يمنعونهم ؟ ... لمَ لمْ يغطوا دون جسدي أعينهم ؟ ... هل أبيح للأغراب من الأموات ما كان محرما ؟ ... وعندما لم أجد من يسمعني صمتُ صمتاً لا يشبههُ الصمت .. ونمت / مت .
الماء الساخن فوقي ثم البارد ... وانتهى الأمر بي إلى الكفن ... حزموا أمرهم كما حزموا الكفن حولي أن أدفن قرب قبر جارنا قاسم ... (كوم حجار ولا هالجار) ... لقد فرحت لما نعوه لي ... قلت : " ارتحت من أذاه " ... كان لا يكف عن الصراخ ليلاً ولا نهاراً ... وأولاده العشرة تبرأت منهم كل القيم والأخلاق ... أما زوجته فكانت دائمة التذمر منه ... من الأولاد ... من الحياة ... ارتحت منه لشهور .. وها هو يعود/ أعود لجواره ... هل سيتركني أنعم بسكينة الأموات ؟ .. أم أن صراخه سيكسر الصمت الساكن حولي وحوله ؟ .
حملوني على الأكتاف .. " سامحوه يا جماعة " قال أحدهم … " من كان له في ذمة المرحوم دين فليراجعني " أردف ولدي الأكبر … " ما أثقل حملك يا ولدي … نعشي ثقيل … همي ثقيل … ودَيْني أثقل ".
" الصلاة أربع تكبيرات على الجنازة ".. قال الإمام .. وشرع بالصلاة ... انتهت التكبيرات .. وانتهت الصلاة .. لأحمل ثانية على الأكتاف .
الموكب المهيب يسير تارة بسرعة .. وتارة ألهوينى .. وأنا أتأرجح ما بين الأفكار ... " ترى ماذا ستصنع الأيام بزوجتي وولدي ؟ … هل ستسحقهم كما سحقتني ؟ .. أم أنهم سينتصرون لي منها ؟ " …
وصل جثماني المقبرة .. فقطعت هواجسي وأفكاري … أنزلوني القبر.. وزادوا أحمالي حملاَ آخر… كومة من التراب علتني … ومن ثم : " سلام عليكم أيها الأموات " … ورحلوا … ما أسرعهم في إنجاز مهمة دفني .. والرحيل … ربما يعود السبب إلى قول أحدهم يستحثهم على الإسراع في تجهيزي : " إكرام الميت دفنه " .. لقد قال دفنه وليس الإسراع في الرحيل .
وحيد أنا الآن ... التراب فوقي ... وتحتي ... وعن يميني .. وعن شمالي ... ملائكة ربي تحضر ... أسئلة .. وإجابات ... ويرحلون ... ثم فجأة يعود الزوار تماما كما في الدنيا .. المشهد نفسه لم يتغير به شيئ .. نفس الأشخاص .. وبذات السيناريو ... ظننتني في الموت سأرتاح من سخافاتهم ... ولكن أي راحة في الموت .. وصوت جاري .. وسؤال زواري ... وتلعثم لساني ... والأسئلة الغريبة تطرح ... الإجابات كانت لدي جاهزة ... لكن لغير هذه الأسئلة ..
-: ما دورك في ذلك العمل الإرهابي؟
- : أي عمل يا سيدي ؟
- : لا تراوغ وخاصة أننا ضبطناك تحاول الهرب من الدنيا ؟
- : يا سيدي ...
- : قلنا لك لا تراوغ ... ما هو دورك في العمل الإرهابي ؟ .. وإلى أي تنظيم تنتمي ؟ .. وما قولك فيما ضبط معك في هذه الملابس البيضاء ؟ .
- : ولكن يا سيدي أنا ميت ...
- : لا تكذب .
- : أنا لا أكذب ... أقسم أني ميت .
- : التقارير عندنا تقول أنك لا زلت على قيد الحياة .
- : وما ذنبي يا سيدي إذا كانت تقاريركم مخطوءة ؟
- : نحن لا نعرف الخطأ … وأخطاؤنا مغفورة … لا تضيّع الوقت .. قل .. واعترف .
- : بماذا أعترف يا سيدي ؟
وكانت الإجابة لطمات ، وركلات ... والأسئلة تتوالى .. ولا إجابات.
أحلت بعدها إلى محكمة عسكرية نسبت إليّ تهما ما مرت لي في كابوس ولا خطرت لي على بال .. وبعد صولات وجولات ... "الحكم بعد المداولة ... " .. ترى ماذا سيكون مصيري ؟ ... هل سأعدم ؟ … أم أسجن ؟ .. أم .. ؟ " ... " بعد المداولة والتمحيص والتدقيق .. نحكم عليك بالموت شنقا ... ومن ثم صعقا بالكهرباء ... وقبل أن تحرق ترمى بالرصاص وتبرد برميك إلى البحر ... " ... " البحر ... كم تمنيت أن تحملني أمواجه إلى شواطئ الأمان ... كم تمنيت أن أجالسه ليلا ... وأن أحدثه .... وأن .. وأن ... " ... " ينفذ الحكم في الحال ".
نصبت أعواد مشنقتي ... الحبل يتدلى ... أقرأ المعوذتين ... سورة يس ... الفاتحة ... التشهد ....
الحبل حول عنقي وأنا أتدلى ... " سحقا .. ساعتين ولم يمت ".. قال جلادي .. " اصعقوه بالكهرباء " .. صاح رئيس المحكمة ... الكهرباء لا تحرك بي ساكنا … " ارموه بالرصاص ".. الرصاص يخترقني ... ولا أحس .. وكيف يحس من طواه الموت ... " حرّقوه " ... النار تأكلني وتأكل أحلامي وآمالي ... " لم يمت " .. " الْقوة في اليم .. وارقبوه حتى يموت " ... ساعة ... ساعتان ... ثلاثة ... الماء حولي ... السمك يحاذيني .. ويغادر ... الحوت يبتلعني ... أسبّح بحمد ربي ... يقذفني الحوت إلى الشاطئ ... وصل الأمر إلى صاحب الأمر فحضر ... وأمر قائلاً : " أنعمت عليه بالحياة .. أعيدوه إلى بيته / قبره ".. ورحل في موكبه المهيب .. وسط هتافات وتصفيق ودعاء له أن يبقيه الله من العادلين ... العافين دوما عن الناس .
القبر يحويني ثانية ..أحمد الله أني مت .
إربد في ٥ / ٦ / ٢٠٠٢ م

من دون ميعاد ( 16)

من دون ميعاد ( 16)
خرجت صابرين من عند سلوى و هي متشتة الذهن لا تعرف اين ستذهب أو ما ستعمل. كلما كانت متأكدة منه هو أنه يجب عليها أن تحطاط حتى لا تقع في قبضة الشرطة. مشت كثيرا ثم جلست في حديقة لتستريح. غفت لبعض الوقت و عندما استيقظت كان الظلام قد حل و كانت الحديقة قد أقفلت أبوابها. بحثت عن مكان آمن تحت الأشجار اختبأت فيه , لم تكن لوحدها بل كان في الحديقة متشردون يقصدونها للنوم. بقيت في مكانها دون أن تتحرك خوفا على نفسها. ضلت على هذا الحال لأيام, نفذ المال فما كان عليها إلا أن تمد يدها للمارة. لم تعد الحديقة آمنة بعد ما حاول بعض المتشردين التحرش بها لكنهم هربوا مسرعين عندما رفعت النقاب عن وجهها. فكرت في مكان لا يصله البشر ليلا و لم تجد سوى المقبرة, فضلت ألنوم فيها لكن ما رأته ليلا كان شيئا مخيفا و مقرفا, أناس تمارس طقوسا للشعوذة و متشردون لا يحترمون حرمة المقابر.
غادرت صابرين المقبرة عند الصباح و أخذت تفكر و هي تسير و في الآخر و صلت لقرار لكي ترتاح من العذاب الذي يلاحقها. ففكرت في الإنتحار , واختارت أن يكون البحر قبرا لها و اختارت المكان الذي كان طارق يصطاد فيه أحيانا برقتها.
عندما توقفت صابرين عن الحكي كانت الشمس قد أشرقت و كان أحمد يسمعها بكل اهتمام نظر إليها و قال:
- يا لحظك السيء يا صابرين كم عانيت في الحياة و لكن الإنتحار ليس حلا و هو كفر بالله و حرام.
- أعرف كل هذا لذا كنت أطلب الله أن يغفر لي ذنبي و أنا ارمي بنفسي في البحر.
- أتذكرين انني قلت لك انه سبق لي أن رأيت عينيك?
- نعم أذكر ذلك ولكنني لا أعرفك و لم نلتقي من قبل.
- إنني أعرف من أنت و لك عندي أمانة, إبقي هنا سأحضر شيئا لتثقي بكلامي.
إختفى أحمد لدقائق ثم عاد و هو يحمل بين يديه لوحة مغطاة بثوب أبيض. بمجرد ما أزال أحمد الغطاء وفقت صابرين ثم صرخت :
- من أنت, كيف رسمت عيوني و لم يسبق لنا أن تعرفنا على بعضنا?
ابتسم أحمد و قال :
- أنا لم أكذب عليك أنا قاض متقاعد و حكيت لك معاناتي بعد وفاة ابني و زوجتي , لا تخافي ثقي بي كان لله حكمة عندما أنفذتك من الموت و سأثبت لك ذالك, انتظريني سأعود.
ذهب أحمد ثم عاد و في يده ظرفا كبيرا مده لصابرين وقال :
-تفضلي سيدتي هذا لك افتحيه.
أمسكت صابرين الظرف و هي ترتعش و عندما فتحته تفاجأت بما وجدت بداخله و قالت :
- لا مستحيل, هذا لا يمكن .
بقلمي : مليكة فكري
المغرب
يتبع

الجمعة، 25 مايو 2018

من دون ميعاد ( 13 )

من دون ميعاد ( 13 )
بقيت صابرين تفكر و تفكر في حيلة تخرجها من هذه الورطة و في نفس الوقت تساعدها على الإنتقام .
كانت الأشهر الأربعة كافية لتأخذ قرارها و تخطط غلى مهلها. انتهت المهلة المحددة, أقامت صابرين ليلة لذكرى زوجها كان يقرأ فيها القرآن,دعت السيد عزوز و محامي المرحوم طارق وطبعا دعت الصديق الخائن,بعد انتهاء الحفل أخبرتهم بقرارها و هو أنها قبلت الزواج من محمد, بارك الجميع قرارها . غادر الجميع حتى الخدم . بقي محمد لتتكلم معه كانت صابرين هي من طلب ذلك. جلس محمد في الصالون و أحضرت صابرين كأسان من الحليب و طبقا من التمر و قبل أن تجلس طلب منها محمد أن تحضر ورقة و قلم. عادت صابرين بعد ثوان و هي تحمل بين يديها ما طلبه منها محمد. جلست صابرين و شربا الحليب احتفالا ببداية صفحة جديدة.
كانت فعلا بداية يوم جديد عندما استيقظت في الصباح و هي في سريرها غير قادرة على التفكير و لا حتى أن تتذكر ما وقع في الأمس. وجدت رسالة بجانبها فتحتها و بدأت تقرأ : " صباح النور يا عروس, بلا شك أنت الآن حائرة و العديد من الأسئلة تدور في ذهنك, لقد أخذت منك ما كنت أحلم به و جردتك من شر فك و كرامتك و كبريائك. كنت تحسبين نفسك ذكية لكنني كنت أعلم مدى عشقك للمرحوم و كنت أعرف أنك تحضرين لي مكيدة و ما كان علي سوى إفشال كل مخططاتك. أتعلمين, أنا من سهر على ديكور الفيلا و أنا ايضا من أحضر الخدم لخدمتك, كانت لي عيون داخل بيتك تخبرني بكل ما يجري. و ساعدتني الشغالة كثيرا عندما ادعت أن الثلاجة لا تشتغل و أحضرت عامل الصيانة الذي كان واحدا من رجالي و وضع كاميرا في المطبخ و انت لم تلاحظي ذلك, و وضع أخرى في غرفة نومك يوم خرجت لتبيعي بعض الذهب, إن لي من يراقبك داخل الفيلا و خارجها , حتى الدواء المخدر الذي اشتريته أمس من الصيدلية كان لي علم به لذا استبدلت كؤوس الحليب, كل ما أتمناه هو أن يصير حملا حتى تأتين إلي راكعة لأتزوج بك و أخيرا هناك خبر سأنقله لك بكل أمانة زوجك كان عاقرا وكان يسافر من أجل صفقاته و من أجل العلاج لم يخبرك حتى لا يخرسك, كنت تنوين قتلي لكنك فشلت فأنا ضميري ميت. استعدي للرحيل لم يبق لك سوى ساعات قليلة في الفيلا. أظنك تعلمين الآن أن كيد الرجال أقوى من كيد النساء. إنني أشفق عليك أيتها السيدة العنيدة.
محمد "
صرخت صابرين بأعلى صوتها :
- أيها الحيوان , أيها الوغد أيها الحقير سوف أنتقم منك حتى و لو طال الزمن, سأنتقم لي و لزوجي أيها الحقير.
بكت صابرين و صرخت و هي تعرف بأن الدموع لن تغسل ذلك العار و لا حتى الماء لن يقدر على ذلك.
دخلت الحمام و استحمت و هي تبكي تحت الماء. نظرت في المرآة فلم تر صابرين و إنما رأت امرأة غريبة لم تعرفها كانت شاحبة الوجه انكسر ظهرها.
لبست ملابسها و وضعت أغراضها في حقيبة و نزلت الدرج و هي تنظر إلى الحيطان كأنها تودعها إلى الأبد , عندما خرجت من باب الفيلا كان قلبها يتمزق حسرة على ذكرياتها مع زوجها, كان محمد ينظر إليها من بعيد و هي تدير وجهها لتودع عش حبها.
بقلمي : مليكة فكري
المغرب
يتبع

من دون ميعاد ( 12 )

من دون ميعاد ( 12 )
وضع الرجال التابوت أمام صابرين انحنت وضعت رأسها عليه و حضنته دون أن تبالي بالآخرين سبقتها الدموع و قالت بحزن عميق :
كان يومي مشرقا بنور وجهك يا أغلى حبيب
أغشى عيني الظلام و انكوى قلبي باللهيب
ما قدر لعشقنا أن يعيش و إنما أسرع بالمغيب
ضاع العمر من بعدك و ما عاد للفرح نصيب
ها أنا أودعك و يسيل دمعي في يوم عصيب
لا حضن أحضنه و لا جبين أقبله و إنما صمت رهيب
روى دمعي التابوت و يا ليثه رواك أنت يا حبيب
تائهة بين الناس و حالي وحده الله عليه رقيب
روحي أمانة عندك حتى لقائي بك في وقت قريب
بعد انتهاء مراسم الدفن و العزاء بقيت صابرين برفقة أميرة و الخدم ,لم تجف عيناها من الدموع فشلت جميع مساعي أميرة لتخفف عنها.
مر أسبوع و كان يجب على صديقتها أن تعود إلى الملجأ. بقيت صابرين وحيدة مرة أخرى لا يرافقها سوى الحزن.
بعد مرور عشرة أيام على وفاة طارق جاءها ضيفان, محامي المرحوم طارق و صديقه اللعين محمد , ما أن رأته صابرين حتى ارتمت عليه لتخنقه و هي تصرخ :
- ما الذي جاء بك أيها الخائن? أخرج من بيتي حالا!
أبعد محمدا يديها بشدة و قال :
- لو أحسنت معاملتي تلك الليلة لما كان هذا حالك.
- أيها اللعين الحقير ستدفع الثمن غاليا, أخرج من بيتي!
-أي بيت لك? لم يعد لك أي بيت, إنه ملكي الآن سأعطيك مهلة أربعة أشهر حتى تكتمل عدتك لتفكري جيدا,إما أن تعيشي ملكة في الفيلا او تغادريها للأبد.
- ماذا تقول أيها المعتوه?
- كما سمعت الفيلا أصبحت ملكا لي و ليس الفيلا فقط بل كل ما كان يملكه المرحوم أصبح لي لم يبق سوى أنت .
-هل جننت? و انت أيها المحامي لما لا تقل شيئا?
- أنا آسف سيدتي, إنه صادق في ما قاله إن المرحوم لم يسحب التوكيل الذي منحه إياه عند سفركما و أعاد المرحوم السفر مرة أخرى و بقي التوكيل في حوزة السيد محمد و كان له الحق في التصرف في كل شيء.
- ماذا تقول ? ألست محاميا لما لم تنبه المرحوم لهذا الأمر?
- أخبرته سيدتي لكن المرحوم كان يثق به كثيرا و كان مشغولا في إعداد أوراق لتك الصفقة و هو مصمم على السفر لفرنسا.
كان ما قاله المحامي كالصاعقة , توثرت صابرين و صرخت قائلة :
- لن أذهب إلى أي مكان و أنت أيها اللعين ساشتكيك للقضاء ليفصل في ما بيننا. رد علها المحامي قائلا :
- إن أوراقه سليمة سيدتي خصوصا بعد أن سدد قرض البنك أصبح له حق التصرف في ممتلكات المرحوم.
ضحك محمد مستهزئا و قال لصابرين :
- عليك أن تتقبلي الحقيقة ستكونين لي بعد اربعة أشهر, استمتعي بوقتك سيدتي العنيدة.
غادر محمد و المحامي الذي سلم صابرين بعض الأوراق كدليل على ما قاله. ثفحصت صابرين الورق عدة مرات لتجد اي ثغرة و لكن لا شيء لقد نصب محمد على المرحوم بذكاء, كان كل شيء قانونيا. عندها مهلة أربعة أشهر, يجب عليها أن تجد حلا قبل فوات الأوان.
بقلمي : مليكة فكري
المغرب
يتبع

من دون ميعاد (15)

من دون ميعاد (15)
استغلت صابرين الفرصة و ربطت محمد بحبل أحضرته معها. جلست أمامه و هي تتأمله و وجهها يعبر عن الفرح. لقد دقت ساعة الإنتقام هذا ما كانت تقوله في نفسها. قامت من مكانها و أحضرت قنينة ماء ثم أفرغتها على رأس ذلك اللعين الذي استيقظ مفزوعا و استغرب كثيرا عندما وجد نفسه مربوط الأيدي و الأرجل فسألها :
- من أنت و ماذا تريدين مني?
- ألم نتفق على أن نذهب معا إلى الجحيم?
- أنا لا أتذكر شيئا و من أنت?
- أنا من ستأخذ روحك هذه الليلة. سوف أحرقك كما أحرقت قلبي , هل عرفتني أم لا? سوف أبشرك أنا لست حاملا منك كما كنت تتوقع.
- ماذا ستجنين إذا قتلتني? ستذهبين إلى السجن و يحكم عليك بالإعدام.
- و هل يعدم الميت? أنت ميت الضمير و أنا مات قلبي و لم تعد لي حياة بعد أن تسببت في وفاة زوجي.
أحضرت صابرين قنينة البنزين و بدأت تسكبها على محمد الذي كان يصرخ ويستنجد بقوة, أمسكت صابرين القنينة التي كانت شبه فارغة و باليد الأخرى أشعلت الولاعة و إذا بشخص يدفعها من الخلف ليبعدها عن محمد,سقطت صابرين على الأرض و اندلعت النار فأحرقت شعرها المستعار و وجهها ,كان ذلك الشخص متشردا أيقظه صراخ محمد و عندما رآها تشعل الولاعة أراد منعها لكنه تسبب في حرق وجهها. هرب محمد و المتشرد تأركان صابرين تصرخ و تتألم بعدما أخمدت النار التي كانت تلتهم وجهها. ذهب محمد إلى مركز الشرطة و قدم بلاغا ضد صابرين متهما إياها بمحاولة القتل العمد. عند وصول الشرطة إلى مكان الحادث لم يجدوا صابرين و لكن المكان كان يعبر عن القصة التي حكاها محمد للشرطة . بدأت الشرطة بالبحث في المستشفيات عن صابرين لكن لا أثر لها.
مشت صابرين طويلا حتى وصلت بيت صديقتها سلوى.طرقت الباب فانزعجت صديقتها عندما رأتها في تلك الحالة. ادخلتها و قدمت لها بعض العلاجات , كانت صابرين جد متعبة و لا تقوى على الكلام. تركتها سلوى ترتاح وذهبت إلى العمل. عند عودتها من العمل أبلغتها أن الشرطة تبحث عنها و أن محمد قد نشر صورتها في الجرائد . كان ابن سلو ى الصغير يخاف من صابرين و يبكي كلما رآها.في اليوم التالي جلست سلوى وفي يدها بعض المراهم و الأدوية و قالت لصابرين :
-أعتذر منك يا صديقتى و لكن يجب أن تغادري بيتي, إذا علمت الشرطة بوجودك عندي سوف أفقد عملي و سيأخذ طلبقي أبنائي بعدما أسجن. و منظرك يخيف أبنائي, خذي هذه الأدوية ستساعدك و سوف أحضر لك عباية و نقابا و نظارات حتى تخفي وجهك,أنا لا أستطيع الذهاب إلى بيتك لأخضر أغراضك لأن في ذلك خطر علي و عليك لأن الشرطة تراقبه .
بقيت صابرين صامتة تفكر فيما سمعته ثم قالت :
- لا عليك صديقتي لن أسبب لك المشاكل بعد كل ما فعلته من أجلي شكرا لك.
أحضرت لها سلوى ما تلبسه و بعض المال لتدبر أمورها.
بقلمي : مليكة فكري
المغرب
يتبع

الخميس، 24 مايو 2018

قصة قصيرة

Mohammed Elmouadden
*****
قصة قصيرة
جلست خديجة لتستريح دقيقة بعد أن أتعبها ترتيب بعض مستلزمات العيد الثاني عشر لميلاد ابنها محسن على مائدة مستطيلة مرتعدة في البهو المطلة نافذته المتهرئة على زقاق ضيق تفضي نهايته اليمنى إلى حمام الصحراوي ؛ وينفتح من اليسار على القيسارية والمحطة الطرقية ؛ وهي تستريح تذكرت أول عيد لميلاد ابنها محسن البكر ؛ قالت في نفسها تبتسم خلسة من ابنتها سلمى المنهمكة في إنجاز تمارين الرياضيات ؛ كبرت يا محسن أصبحت رجلا ، لم تقو على كتم تنهيدة تصعد من الأعماق وهي تركز بصرها على صورة إبراهيم المعلقة فوق الخزانة الزجاجية المملوءة مما يملأ عين الزائرين في نظرها ؛ من أوان مكدسة ، بعضها لم يعد صالحا للاستعمال احتفظت به فقط لأنه مهدى إليها يوم زفافها من صديقات عمرها ؛ قامت على التو لتمسح الصورة بعد ذلك مررت مبتسمة أناملها الرقيقة على وجه وعيون إبراهيم المبتسم ابتسامة كاشفة عن فلجة تزين شاربا كثا شديد السواد ، علقت الصورة بسرعة ومنعت دمعتين ساخنتين من بلوغ الخدين ؛
وقامت تراجع ترتيب ما أحضرته على المائدة متمتمة بكلام غير مفهوم ختمته بأستغفر الله العظيم . توجهت نحو النافذة الوحيدة لتترقب عودة ابنها محسن من المدرسة مع أصدقائه الضيوف ؛ كان الزقاق يعج بالقادمين من المحطة بعضهم يجر حقائب تختلف أحجامها وألوانها ؛ تخيلت عنوة أن إبراهيم يجر حقيبته وسط الجارين ؛ يعود بدون إخبارها ليفاجئ أبناءه بعودة جميلة ؛ لكن القادم في الواقع كان ساعي البريد يحمل جثته الضخمة على دراجته الصفراء ، قصد المنزل نزل بصعوبة ؛ وضع رزمة من الرسائل في صندوق الباب ؛ ضغط على كل أجراس سكان العمارة وقال :
فاكتور ؛ فاكتور .
تنهدت من جديد ، أغلقت النافذة يائسة ؛ تطاير بعض فتات إطارها الخشبي المسوس ؛ نزلت خديجة علها تجد رسالة من إبراهيم بين الطرود ؛ فهي المرأة التي كانت تواضب على حضور دروس محاربة الأمية بدار الشباب ؛ قلبت الرسائل رمقت عيناها اسم إبراهيم الذي تدربت على كتابته في مناديل بواسطة التطريز ؛ أخذت الرسالة وخبأتها في صدرها تحت القفطان ؛ قالت لسلمى:
- اخوك تأخر يا سلمى ؛ هل أخبرت صديقاتك بالحضور ؟
- نعم يا أمي إلا بشرى فقد رافقت أباها لرؤية مراكب جدها الخاصة بصيد السردين .
عاد محسن مع ضيوفه الخمسة .
- محسن وردت علينا رسالة من أبيك قبل نصف ساعة ؛أقرأها يا ولدي .
- استحسن أن أقرأها امام أصدقائي قبل إطفاء شموع عيد ميلادي .
- والله راي سليم ولدي محسن .
كان عباس جد محسن متشبثا بأرضه كان كلما عزم على السفر أخذ قبضة من التربة وقبلها ؛ قال يوما لزوجته :
إذا مت يا رابحة قولوا لحفار القبور ألا يعمق قبري ؛ حتى تبقى عظامي قريبة من سطح الأرض لتلامس جذور الأزهار والرياحين .
قالت سلمى متحسرة :
- أمن أجل كسرة خبز تفارق سلمى يا أبا سلمى ؟ عد إلينا أشتاق أن أعانقك بجنون .
أمام أصدقائه قرأ محسن الرسالة التي قال فيها أبوه :
" بسم الله الذي جعل حب الأوطان من الإيمان ؛ وجعل المال والبنين زينة الحياة الدنيا .
أما بعد ؛
ابني الغالي محسن؛ أعلم أن عيد ميلادك أفضل وأقدس ذكرى في تاريخ حياتي ؛ فرغم بعد المسافة أنا أعيش معكم بروحي وبقلبي ؛ أوصيك يا ولدي أن تكرس كل وقتك للدراسة والتحصيل ؛ قد تكبر يا ولدي لتحقق مستقبلك وتساهم في بناء وطنك ؛ لا تغتر بمغريات الزمان فيغدر بك كما غدر بي ؛ قل لأختك سلمى ؛ عما قريب سأقبلها بجنون ؛ اشتقت إلى كلمة بابا . سنة سعيدة ابني محسن ؛ كل عام وأنت بخير ؛ تحياتي الخالصة إلى أمكما خديجة .
كانت الأم تقطع الحلوى باهتمام ؛ بعد دقيقة رن جرس الهاتف التابث ؛ حملت خديجة السماعة لتسمع :
- ألو ؛ هذا بيت ابراهيم ؟
- نعم ، أنا زوجته من أنت ؟ متى كان ذلك ؟ هل أنت متأكد ؟
تسقط السماعة ؛ لم تكمل خديحة تقطيع الحلوى ؛ ظلت الشموع مشتعلة ؛ مات إبراهيم مغتربا على اثرحادثة سير في طريقه إلى الوطن .
محمد المؤذن مؤسس ورئيس جمعية كازابلانكا للتراث الشعبي

من دون ميعاد (14 )

من دون ميعاد (14 )
قصدت صابرين الملجأ لتطلب المساعدة من السيد عزوز فأخذها هذا الأخير عند سلوى التي كانت تعيش في الملجأ سابقا لكنها غادرته و تزوجت ثم طلقها زوجها وهي الآن تعيش في بيت صغير مع أبنائها , و هي تشتغل كممرضة بالمستشفى الحكومي.
فرحت سلوى كثيرا بضيوفها و أحسنت استقبالهما , حكت لها صابرين كل ما وقع لها و طلبت من سلوى المكوث عندها حتى تحصل على عمل يساعدها على العيش. رحبت سلوى بالفكرة كثيرا. عاد السيد عزوز إلى الملجأ و بقيت صابرين و سلوى تتعرفان أكثر على بعضهما.
كانت فكرة الإنتقام لا تفارق ذهن صابرين التي
اشتغلت كبائعة للملابس بإحدى المحلات التجارية. تحسنت نفسيتها و لكن تحسنت أكثر بعد أن تأكدت أنها غير حامل. بدأت تفكر في خطة الإنتقام و بدأت تتعقب أثر محمد,. حفظت كل تحركاته و بدأت في تنفيذ الخطة. كانت تخرج ليلا بلباس قصير و استعملت العدسات اللاصقة لتغير لون عينيها مع إضافة مساحيق تجميلية لتغير من ملامح وجهها كأنها بنت من بنات الليل لكي لا يكشف محمد أمرها . كانت تقصد كل ليلة نادي ليلي يقصده محمد كل يوم ليلا. كانت تجلس في مكان كأنها تنتظر أحدا ثم تتظاهر بأنها تتكلم في الهاتف و تخرج كانت ترفض الكلام مع أي كان فتخبرهم بأنها تنتظر زبونا . كانت تغير التكسي مرتين و تنتبه إن كان هناك من يتبعها. و في ليلة دعاها محمد إلى مائدته و لكنها لم تشرب شيئا بينما كان هو ثملا, خرجا معا و ركبا السيارة, كان محمد هو من يسوق السيارة. غيرت صابرين طريقة كلامها حتى لا يتعرف عليها . طلبت منه أن يوقف السيارة لتسوقها قائلة له :
-اقف السيارة من فضلك واعطيني المفاتيح سآخذك إلى عالم سيعجبك كثيرا.
- أي عالم هذا?
ضحكت صابرين بسخرية و قالت :
- سآخذ إلى عالم الجحيم.
- إن كان الجحيم معك سوف أدخله وعينايا مغمضتان تفضلي خذي المفاتيح.
أخذت صابرين مكانه و هي جد سعيدة بخطتها , وقفت السيارة أمام بناية مهجورة نزل محمد من السيارة و هو لا يقدر على المشي لأنه كان سكرانا. أمسكت صابرين بيده و اخذته إلى حجرة صغيرة بها مائدة و أكل و شراب. ضحك محمد مما رآه و قال :
- جحيمك فريد و عجيب و معك سيصبح جنة.
سكبت كأس ويسكي وأعطته إياه, فقال لها :
- وانت ألا تشربين?
- أنا لن أشرب, فإذا شربت لن تعرف طريق الجحيم.
- أنت محقة إبقي هكذا و إلا لن نخرج بسلام من جحيمك.
قالها و هو يضحك بشدة. وبقيت صابرين تسكب له الخمر الذي وضعت فيه قرص منوم حتى غاب عن الوعي و نام.
بقلمي : مليكة فكري
المغرب
يتبع

الأحد، 20 مايو 2018

من دون ميعاد ( 11 )

من دون ميعاد ( 11 )
بقيت صابرين تصرخ دون أن تعرف ماذا أصاب زوجها و لا تدري ما تفعله من هول الصدمة. أصبحت كالمجنون تسأل نفسها بصوت عال حتى تجمع الخدم حولها فأخبرتهم بما وقع تجمد كل الخدم مما سمعوا و هم يطلبون اللطف من الله و أن لا يكون مكروها قد أصاب سيدهم . وقفت صابرين للحظة جمعت كل قوتها وبحثت عن رقم الفندق في الأنترنيت ثم اتصلت طالبة منهم أن يتفقدوا غرفة زوجها مؤكدة لهم أنها زوجته و أنها ستبقى معهم على الخط. أرسل عامل الإستقبال رجل أمن إلى غرفة طارق. عندما دخل الرجل الغرفة وجد طارق ممدودا على الأرض و هو لا يتنفس قام بجس نبضه لكن للأسف ليس هناك أي مؤشر يدل على أن طارق لازال حيا. أخبر رجل الأمن إدارة الفندق بما رأى و أخبرت هذه الأخيرة صابرين و الشرطة التي حضرت للثو. نقل جثمان طارق إلى المشرحة لمعرفة سبب الوفاة. أما صابرين لم تصدق ما سمعت و بدأت تسير ذهابا و إيابا وهي تصرخ :
- لا لا هذا كذب لا يمكن له أن يموت إنه افتراء هذا غير صحيح غير صحيح....
كانت تبكي و تصرخ من الوجع ولا تعرف كيف يجب أن تتصرف كانت حائرة و تفكر بصوة عال , كان حالها كحال الخدم الذين فوجئوا بهذا الخبر الحزين. تذكرت محامي طارق فكلمته و أبلغته ما وقع وطلبت منه أن يتأكد بنفسه من الخبر. حاولت الإتصال بصديق زوجها الخائن ذلك اللعين لكن لا جدوى من ذلك لأن هاتفه مغلق, لقد اختفى عن الأنظار و لم يبق له أثر.
تمنت صابرين لو أنها أخبرت زوجها بما وقع في غيابه, لكن تأخر الوقت عن ذلك و أخذت تبكي و تنوح و تلوم نفسها بشدة لأنها بدون قصد كانت سببا في وفاة زوجها لن تغفر لنفسها أبدا, لو كانت أخبرته لكان حبيبها حيا يرزق, أخطاء نظنها بسيطة لكن نتائجها تكون وخيمة.
أعاد المحامي الإتصال يؤكد لها صحة الأمر :
- نعم سيدتي, أنا آسف يحزنني أن أقول لك أنه فعلا قد توفي السيد طارق و الشرطة تتحرى عن الامر الآن , إنا لله و إنا إليه راجعون , رحمه الله و غفر له و أسكنه فسيح جناته سأسافر بعد ساعة لأتابع جميع الإجراءات بنفسي .
لم تكن كذبة و إنما حقيقة مزقت أحشاء صابرين من شدة المرارة و الألم كانت الشغالة تحاول تهدئتها لكنها لم تنجح. من يقدر على إخماد تلك النار التى تحرق كل جسمها, نار قاتلة لم تسلم منها حتى روحها إن الميت حبيبها و روحها كان كل شيء في حياتها .
أخبرها المحامي أنه سيقوم بجميع الإجراءات اللازمة حتى يحضر جثمان طارق ليوارى الثرى في مدينته.
اتصلت صابرين بالسيد عزوز و أخبرته بالفاجعة لم يصدق ما سمعه منها ثم قام بزيارتها مقدما لها التعازي هو و صديقتها أميرة التي أحضرها معه لتبقى برفقة صابرين لبعض الوقت رغم انه يعلم أن هذا لا يجوز فلا أهل لصابرين و أميرة هي صديقتها المقربة.
عندما وصل المحامي إلى الفندق كانت جثة طارق في المشرحة لمعرفة سبب الوفاة. أخذت التحريات بعض الوقت بعدها حصل المحامي على تقرير الطبيب الشرعي الذي يؤكد أن طارق أصيب بجلطة تسببت له في سكتة قلبية .
كانت الإجراءات التي تخص التصريح بالدفن طويلة و معقدة لأن الوفاة وقعت خارج المغرب. اخذ ذلك بعض الوقت بسبب التنقل من إدارة إلى أخرى ثم إلى السفارة المغربية. مر يومان على وفاة طارق مجنون صابرين , بعدها أخبر المحامي صابرين أن جميع الأوراق قد أصبحت جاهزة و أنه سيحضر هو و نعش طارق في اليوم الثالث.
كانت صابرين شاحبة الوجه و هى ترتدي ذلك الثوب الأبيض الذي سيلازمها طيلة أيام العدة لم تأكل شيئا منذ أن سمعت بذلك الخبر المشؤوم أصبحت كجماد لا روح فيها , اختفى بريق السعادة الذي كان ينير عينيها و أصبحت شاردة الدهن رغم وجود حبيبتها أميرة التي كانت بالنسبة لها في هذا الظرف الأليم كأم لها ترعاها بكل حنان.
اقترب موعد الطائرة ولم يكن في الفيلا سوى عدد قليل من الناس أغلبهم كانوا يعملون عند طارق. كان كلما اقترب الوقت تزداد نبضات قلبها بسبب التوثر و أخيرا وقفت سيارة الإسعاف أمام الفيلا وهي تحمل داخلها صندوقا.
بقلمي : مليكة فكري
المغرب
يتبع

السبت، 19 مايو 2018

خطوات تسابق الزمن



قصة قصيرة *خطوات تسابق الزمن *
استيقظت وشعاع الصباح قد تسرب من كوة النافذة ؛ يداعب عينيها الناعستين، أسرعت الى الباب وعلامات الذهول والاستغراب تعلو محياها حين وجدت الباب مغلقا ، تصاعدت أنفاسها وازدادت دقات قلبها ،ثمة أسئلة ترددت على فكرها : ماذا ستفعلين ؟هل من سبيل للخروج من هذا القفص الخانق ؟قاومت الاستسلام للبكاء أخذت تقلب المكان ، جذبت طاولة في اتجاه النافذة ، تبعثرت فوقها بعض الكتب وتناثرت بعض الأقلام على الأرض. قفزت من خلالها إلى خارج المنزل وهي تتأبط عزيمتها الوثابة،ركضت بحثا عن منفذ لتلوذ بالفرار، واجهتها عقبة أخرى انه الجدار العالي الذي يحيط المنزل. أخذت توزع نظراتها هنا وهناك مناجية ربها: "ربي اشرح صدري ويسر أمري ""رب أعني يا رحمان واسترني يا منان ".حملقت بعينيها متفقدة المكان، أخذت نبضات قلبها تتسارع من جديد وهي تتمتم:
-ماذا لو استيقظ أحدهم وحبسني في غرفتي من جديد .' لمحت مقعدا عتيقا في احدى زوايا ساحة المنزل ؛ تراكم فوقه الغبار ' تسلقت عبره الجدار مستعينة بما تعلمته من حركات رياضية وهي في الصف الاعدادي وكيف كانت تتسلق الحبل مع زميلات وزملاء المدرسة ،وألقت بجسدها الفتي على الأرض ، أصيبت بوعكة ورضوض على ركبتيها ويديها ،لم تبال بآلامها ، أطلقت ساقيها للريح وهي تتذكر صوت والدها ، كلما أطل على غرفتها المضيئة في هزيع من الليل وجدها منهمكة في إخراج تمارينها المتبقية ،وغالبا ما كانت تحضن كتابها المفتوح على صدرها ان غلبتها سكرات النوم.
- ابنتي أيتها النحلة النشيطة يكفيك سهرا.
أجابته بمزيد من الرضا :
-ريثما انتهي من إنجاز التمارين والإجابة عن أسئلة الإعداد القبلي.
- لم لم تقومي بذلك من قبل ؟
-آه يا والدي كنت أساعد أمي في إتمام شؤون البيت .
-ربنا يحميك يا نحلتي تسكبين عسلا من ذهب .
-والدتي تمزق دفاتري ان ضبطتني أدرس .
-سأتولى الأمر غدا سآتي بمن يساعدها
وأنت تعلمين أنها مريضة .
زادت وتيرة السرعة لديها تسابق الزمن عبر طريق غير معبدة، تعثرت قدماها في احدى الحفر التي تغمرها مياه الأمطار ناهيك عن بعض الأحجار والقمامات التي يلقيها المارة بلا اكتراث للبيئة. 'أصيبت برضوض أخرى على رأسها استجمعت قواها وهي تنظر إلى السماء تستجدي ربها تتذكر تلك الدروس التي أخذتها في مادة التربية الاسلامية حركت شفتيها وهي تتمتم :ان مع العسر يسرى. -ان الله مع الصابرين . نهضت من جديد وهي تنفض غبارالسنين الذي علق بلباسها وبعض الأوحال التي شكلت خريطة عجيبة على سروالها ووزرتها البيضاء ، تفقدت ركبتها التي أثخنها الوجع:
-يا الاهي انها تنزف ..... ،ترى ما العمل ؟
تنفست الصعداء لم تكترث للآلام ما دام نسيم الحرية يداعب روحها خارج القفص، أخذت منديلا ربطته على الجرح لإيقاف النزيف . شريط من الأحداث مر في ذاكرتها حين سمعت والدتها المريضة تزف لوالدها خبر خطبة ابنتها النحلة لابن أختها .صرخت بأعلى صوتها :لا وألف لا.تذكرت بيتا شعريا طالما كان أستاذ اللغة العربية يردده أمام تلامذته لبث روح العمل في نفوسهم:
وما نيل المطالب بالتمني ***ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
تحمست من جديد ، تارة تركض وطورا تهرول خشية التعثر من جديد في طريق ترابية حفرتها عوامل التعرية، وهي تستأنس بسيرة نبينا الكريم الذي تكبد المحن والمشاق لتبليغ رسالة إنسانية .أشرق وجهها من جديد أومضت عيناها؛ بريق أمل أزاح عنها عتمات الأسى ،وألسنة الشمس الحارة تلفح خديها، ترسم بأشعتها ابتسامة صافية على ثغرها المشرق .
وجدت نفسها أمام باب شاهق مترام الأطراف أشبه ما يكون بثكنة عسكرية أحكم اغلاقه ،طرقت الباب مرارا وتكرارا لا جدوى من ذلك ، تمتمت بألفاظ :
-يا الاهي كيف أصل إلى الطابق العلوي "نظرت الى الجدار العالي الذي يحيط بالمؤسسة ،استدارت نحو الوراء لمحت شباكا صغيرا تسلقت الجدار عبره، كررت محاولات عدة كي لا تقبض متلبسة وهي تحاول التسسل الى داخل المؤسسة .
حين قفزت الى الداخل ، اصطدمت بالدرج المؤدي الى الطابق العلوي، توعكت من جديد ؛ أخذت تتفقد أطرافها ان كانت بها كسور أو شقوق؛ تنهدت :-آه ، بقع من دم ظهرت على سروالها المحاذي للركبة الموجوعة؛ قطرات من دم ساخن نتيجة تمزق جلدها الغض ،ترى ما العمل ؟أخذت تحبس صوتها حين سمعت حفيف خطوات تقترب رويدا رويدا، إذ بحارس المؤسسة ينزل على الدرج ، أصابها ذعر شديد وكاد يغمى عليها وينفضح أمرها. بادرها بلهجة حادة يستفسر عن الأمر وكأنه قد وقع على صيد ثمين :-ما تفعلين هنا؟
أجابته وقد علا محياها مزيج من الخوف والذهول أخفتهما بابتسامة مشرقة :
-وقعت على الدرج وأنا في الطريق الى الادارة لأسلم لها بعض الصور.خطف الصور التي أخرجتها من محفظتها وهو يرمقها بنظرات غريبة .
تابعت مسيرتها الشاقة الى ملاذها المنشود لترتمي بين أحضان لغتها الجميلة لغة القرآن طالما هام في حبها كثيرممن وقع في شباكها..، طرقت باب الفصل حين تعالى صوت التلاميذ بقدوم ضيف جديد. بقلمي عبيدة علاش 21/مارس 2017

عنزة السيد حمودان

.........…..عنزة السيد حمودان…...........
كعادته كل صباح ،دلف السيد حمودان إلى الإصطبل ،ليتفقد خرافه ويلقي التحية الصباحية على عنزته المحبوبة.
أهلا عزيزتي الغالية
_أهلا سيدي
_ كيف حالك؟
_كما تركتني البارحة ،حزينة…
لماذا ؟ماذا أصابك؟
ألم يحن بعد إطلاق سراحي لأتمتع بالمروج المزهرة وأتجول بين أشجار البلوط والعرعار المترامية فوق جبال بني يزناسن؟
_لا زلت غضة ...اصبري حتى يشتد عودك ،إن الذئاب تترصدكم معشر الماعز في كل مكان .
إذن سوف لن تحررني أبدا ،رغم أنك تعرف أني سأزورك بين الفينة والأخرى ،كن متيقنا أنك إن لم تحررني سيأتي يوم أحرر فيه نفسي ...وسيصيبك الندم الشديد...
تأمل السيد حمودان عنزته مليا ،لأن كلامها كان منطقيا ومقبولا ...ولكن الخوف والفزع هو الذي جعله يتصرف معها هذا التصرف الغريب ...لا زالت قصة العم سوغان ترن في أذنيه ..ولا يتمنى عنزته مثل هذه النهاية الدرامية ،استرجع السيد حمودان شريطا طويلا ،حافلا بالمسرات مع عنزته الصغيرة ،تذكر حين ولدت فماتت أمها أثناء الولادة ،وكيف كان يرضعها بيده ،يحن عليها و غالبا ما كانت تنام في حضنه…
رجع السيد حمودان إلى الحضيرة ،ربت على ظهر العنزة وقال لها والدموع تملأ عينيه.
_هل أسأت معاملته يوما ما عنزتي الغالية ؟
_ أبدا سيدي…
إذن ،لماذا تودين مغادرتي؟
_ لأني أحب أن أعيش حرة ...أستمتع بهذا الفضاء الفسيح ،دون قيود ،وأختار من العشب ما لذ وطاب،واحتك مع أصدقائي الحيوانات...ألم تقاوموا الفرنسيس بقوة السلاح من أجل الحرية أيرضى يزناسني واحد بالعبودية؟
هذا الكلام المفحم وقع كالصاعقة على هامة العم حمودان، بدأ يترنح يمنة ويسرة ، تائها ، تلعثم لسانه برهة ثم استجمع فرائصه وخاطب عنزته قائلا :
_ هل هو قرارك الأخير؟
نعم سيدي ولا قرار آخر بعده …
_إذن ،سأطلق سراحك وأنا غير واثق من اكتمال رجولتك ...لكن آخر وصية أوصيك بها...ألا تعتمدي القوة في حياتك،فأنت لا زلت طرية ،ولا يمكنك التغلب على الذئاب والثعالب،لأن منطق القوى في صالحهم….
سأكون عند حسن ظنك سيدي،فقد شاهدت مقالبكم للعدو الفرنسي وكيف كنتم تنسجون الفخاخ لهم من أجل اصطيادهم….سأكون زنا سنية حرة و شرسة...سأدافع عن شرف كل زنا سنية أبية…
_اطمأن العم حمودان لهذا الكلام وطلب فك عقالها ثم ترك عنزته تهيم وسط المروج، فرحة نشيطة بعالمها الجديد...عالم الحرية والطلاقة…
لم تمر إلا ليلة واحدة ، كان القمر فيها منيرا، حتى سمعت صوتا مرعبا بين الأشجار،اقترب منها بتؤدة وقال لها:
_ _ مرحى...مرحى...أتعرفين من أكون؟
_ أعتقد أنك سيدي الذئب
_صح...أنت ذكية ومهذبة ...ومع ذلك سوف أفترسك افتراسا،لأنني مريض بالسعال كما ترين وأنت عنزة معشبة ب فليو والعرعار….ستكونين دواء ناجعا لعلتي…
_ ههههههه...ماذا تقول يا سيدي ،لقد منع علي الطبيب كل هذه الأعشاب ،فأنا في فترة حمية ،مع الأسف جئت متأخرا…
_ماذا تقولين…مرض….حمية….ما العمل إذن؟
_أمهلني أياما حتى ألتهم هذه الأعشاب الطبية لأكون لك دواء ناجعا…
_أنت تفكرين في شيء ما….أليس كذلك؟
_ لا تسيئ الظن بي فأنا لازلت صغيرة على ذلك،أنظر إلى الحقل أسفل الجبل...كله عرعار و فليو…هيا نطل عليه لترى إن كنت صادقة؟
_ حقيقة سأصدقك واعلمي أنك لو خدعتني سيكون عقابك قاسيا جدا….جدا….
_لا ...لا تخف..لقد فقدت الأمل في الحياة….وكم سأكون سعيدة إن أنقذت حياتك و ضحيت من أجلك،هيا تعالى معي سيدي الذئب لترى جمال فليو والعرعار….فمجرد شمه سيزول عنك بعض الألم…
__ حقا أنت عنزة غريبة و طيبة في نفس الوقت….
رافقت العنزة الذئب إلى قمة الجبل واشرأبا من عل على حقول الدواء المزعوم….وفجأة لم يحس الذئب بنفسه إلا وهو يتهاوى من عل ليسقط كالهشيم في قعر الوادي...
أحست العنزة بالفخر...وتذكرت كلمات سيدها...الحيلة قد تكون لك عونا في حربك مع الذئاب….
فعلا،سجل التاريخ هذه الحادثة وتكلم عن أذكى عنزة في تاريخ الماعز...ولا زال الناس يرددون بفخر وأنفة…..قصة العنزة الزناسنية،التي استطاعت بفطنتها و ذكائها أن تقضي على الذئب، ولقد غيرت هذه الحكاية كثيرا من المفاهيم ولم يعد الذئب هو أذكى حيوان على البسيطة...
محمد مهداوي