..... تتمة قصة " حقول العار " .....
..... رحلة العذاب ....
... بقلم الأستاذ : محمد مهداوي ...
تقديم : محمد موح.
أتحفنا الأخ الزجال والقاصّ محمد مهداوي كعادته، بقصة ثانية في إطار تتبعه لسلسلة الواقع المرير، الذي كان يعاني منه أطفال السبعينات بخاصة في ضيعة السيكور بإقليم بركان، التي كانت تسمى عرفا بعامية بني يزناسن : الفيرما اديال النوار.
قصة لا تقل أهمية وروعة من سابقتها، سماها " رحلة العذاب "، وفيها يسرد لنا معاناة بطلها عبدو بطريقة فنية، وبأسلوب واضح شفاف ومؤثر للغاية.
قصة لا يمكن فصلها عن قصة " حقول العار"، إن لم تكن جزءا لا يتجزأ منها سواء من حيث المعاني التي تحملها أو من حيث سيرورة الأحداث التي تسردها، وكأن القصة في مجملها لا تزال مستمرة ولم تكتمل بعد.
لذلك، فمن خلال تدخلات القراء وتعليقاتهم المنتظرة، أتوقع ظهور شهادات جديدة قد يضيفها الأستاذ محمد مهداوي إلى فصول أخرى من القصة، حتى نتمكن من الاطلاع على تفاصيل الأحداث بكاملها، ونعرف حقيقة ما خلفته حقول العار من آثار في نفوس أولئك العمال الأبرياء.
أما اختياري لهذا التقديم فهو نابع من كوني عايشت نفس الظروف الصعبة التي كان يعانى منها الأطفال والرجال والنساء في السيكور، وقوبلت بنفس التعامل القهري المستبد الذي لم يكن ممارسوه يعرفون معنى الرحمة والشفقة آنذاك، ولقد صدق الأخ عبدو بطل الرحلة عندما صرح بأن المعاناة كانت جماعية تشمل كافة ساكنة مدينة أبركان.
لكن، رغم قساوة تلك الظروف وما كان يدور في فلكها من مذلة وإهانة وقمع واضطهاد، ارتأيت من خلال هذا التقديم أن أشير بعجالة إلى شيء آخر كان أخف وأظرف من ظاهرة القمع والإهانة التي كانت سائدة آنذاك، يتعلق الأمر ببعض الطرائف والعادات التي كان يمارسها الأطفال والشباب من عمال السيكور فيما بينهم، طرائف وعادات كان يُتخذ بعضها كوسيلة من وسائل التسلية والترفيه وقت الحاجة، وكان يراد ببعضها الآخر التمرد على ذلك النوع من الحصار الذي كان مفروضا على العمال، كما قد يستعمل بعضها لمجرد تناسي الآلام وتجاوز المعاناة، لأن هم الناس في تلك الفترة كان يتمثل في الأجر مقابل العمل... وهكذا. ومن أهم تلك العادات :
1 - لجوء الأطفال والشبان إلى الاستحمام خفية في السواقي المجاورة أثناء غياب الكابران، وكان ذلك يعجبهم كثيرا، وكان بعضهم ينسى أنه في عمل، فيطيل الاستحمام إلى أن يفاجأ بانتصاب الكابران أمامه.
2 - ابتداع الفتيات لسجال غنائي فتان، سواء بالليل أو بالنهار، والذي كان يسهر الجميع على سماعه وهم منشغلون بالعمل.
3 - خرق تحذير الكابران للعمال بعدم الدخول إلى بعض الحقول، التي كان يلج إليها الأطفال خلسة ليلا لقطف الورود ذات الحجم الكبير من شجيرات الياسمين المليئة (مزرزرة).
4 - انتهاز غفلة بعض العمال ووضع أوراق الجاسمة (الياسمين) في قعر قُفَفهم وتغطيتها بالنوار، لكي يقف عليها الرومي أثناء عملية التفتيش في الميزان، ويعاقب عليها أصحباها ظلما.
5 - وضع بعضهم لغُبْجَة (كفة) من النوار على بَرازهم أثناء قضاء حاجتهم، فيجمعها أحد المُغَفَّلين وتتلطخ يده.
6 - اصطناع الأصوات أو تغييرها لمناداة أشخاص متواجدين على بعد، أو بعض الكابرانات بألقاب مشينة كانت تنسب لهم سُخْرا وتهكُّما، وغالبا ما كانت هذه العادة تحدث ليلا.
7 - فرحة الأطفال واستعجالهم لتقاضي أجورهم، لكي يلجؤوا بسرعة إلى بقالة متنقلة مؤقتة موجودة بعين المكان، لشراء حلويات ومشروبات وقطع من الخبز الرومي قبل أن تنضب.
8 - إجراء منافسات في أكل رغيف من الخبز الرومي العريض (بالانجي) دون توقف ومن غير إتباعه ولو بجرعة واحدة من الماء، كان الشاف البكاي أو الرومي يأمران بالقيام بهذه اللعبة الخطيرة أثناء عملية تقاضي الأجور، فيعينان لها متبارين يتسليان بهم. لقد كانت هذه اللعبة تؤدي في بعض الأحيان إلى اختناق أحد المتنافسين.
إلى غير ذلك من العادات والظواهر التي كانت تتكرر يوميا، منها ما كانت له عواقب خطيرة على أمن أو صحة الأطفال، ومنها ما كان حقا يُتسلى ويُترفه به.
القصة : ..... رحلة العذاب …بقلم محمد مهداوي
الثالثة ليلا، ظلام دامس، برد قارس، نخرح فرادى وجماعات من منازلنا، فنسرع لأول حائط عال ننْدَسّ تحته، لعله يمدنا بشيء من الدفء... حقيقة، كنا نَسْتَلِذُّ بهذه الوقفة، لأنها كانت أرحم من العراء، وأحَنّ علينا من قساوة الزمهرير الذي كان يجعل أسناننا تصطك لوحدها، كأننا نعزف لحنا من ألحان الصرار الخالدة.
على بعد أميال، نسمع محرك (التراكتور) قادما من بعيد يجر أذياله، يئن بصوته المحشرج، يجر عربة حديدية، فنحس أنه والعربة متخاصمان؛ أحيانا يحاول جرها نحو اليمين وهي تتجه نحو اليسار، وأحيانا تأبى إلا أن تنقاد إليه وتتبعه تتابع اليَسْرُوع، وقد تكون العربة هي أيضا مثلنا، مجرورة جرا نحو (فيرما السيكور) في هذا الجو القاتم، لعل الوصال السري الذي يربط بينهما سينقطع يوما ما بسبب أنين الأطفال الأبرياء وصرخات العَذارَى…
- (هيا اطلعوا... ازربو... مغدي نستنى حتى واحد… اللي مركبش غادي يجي على رجليه…)
نخرج أيدينا من جيوبنا، ونتسلق العربة كالقردة مسرعين، لعلنا نظفر بالركن الأمامي ل (الريمورك)، لأنه عال وسيقينا من قر البرد... نتمدد أرضا على الوَاطِئَة، نجلس داخل الدرعية، ونضع أخرى على رؤوسنا لنتقي زمهرير (الفجرية)، نحاول استغلال لحظات الرحلة الطويلة لنمتع جفوننا بقسط من النوم، خاصة وأن الرحلة الماراطونية ستشق عدة أحياء في مدينة أبركان، من حي سالم إلى حي المكتب، ومن حي الطحطاحة إلى حي المحال، ومن بويقشار إلى بوهديلة المحطة ما قبل الأخيرة التي سيهبط فيها من بعد كل الراكبين...
في الحقيقة، لم تكن عربة النقل هذه تحتمل كل هذا العدد من الأطفال والفتيات والشبان أثناء رحلتنا الليلية، لقد كانت تضيق كثيرا كأنها علبة سردين مصفف. رغم ذلك، ومع كل هذه الزحمة، كنا نحس بشيء من الدفء عندما تلتصق الأجسام المحتشدة في العربة بعضها ببعض.
بعد حوالي ساعة أو أكثر من العذاب، نصل إلى (فيرما) النوار، نبدأ في النزول ونسمع (الكابرانات) يصرخون :
- (زوج… زوج... ديرو الصف... وإلا…)
فعلا نصطف كالجنود، ملبين نداء القهر والقوة، ويتم توزيعنا على خطوط النّوَّار بطريقة لم تكن أبدا عادلة، لم نكن قادرين على أن ننْبِس بِبِنْتِ شَفَة... وإلا سنُتَّهَم بكوننا (راسنا قاسح)، ويزجّ بنا في الكاشو مع المعاول والفؤوس والأدوية الكيماوية والفئران…
قد يكون (الكابرانات) أحيانا غائبين أثناء وصول الشاحنة إلى (الفيرما)، وفي هذه الحالة ترانا نقفز مِنْ عليها إلى الأرض لنتجه جريا إلى مكان العمل عَلَّنا نحصل على الخطوط المُكثَّفة التي كان يتسابق عليها الجميع، أو على خطوط قريبة من الميزان لنكون من الأوائل في الصف عندما يدق الناقوس.
ها نحن بين الخطوط منهمكون في قطف ورود الياسمين البيضاء، نحاول ألا نترك أي وردة خلفنا، لربح الوقت من جهة، ولكي لا نرغم على العودة مرة أخرى إلى تنقية ما خلفناه من (نواور) وراءنا... وكنا كذلك نتحاشى تلك العبارات السفيهة، وذلك الكلام الفاحش الذي كان (الكابران) يمطرنا به، مع تهديده إيانا باقتطاع دريهمات من أجرنا أثناء عملية الوزن.
كنا نخضع أثناء هذه العملية لامتحان غير يسير، يقوم خلالها الرومي وحاشيته بمراقبة نوعية الورود وجودتها، فإن تغير لونها أو ذبلت فذاك يوم عسير، وإذا كانت مختلطة (بالبورجون) أو بأوراق الياسمين الخضراء، يأتيك الرومي ويشدك من أذنيك شدا مؤلما، أو يرفعك من مؤخرة شعرك إلى السماء قائلا :
- (افتح فمك و كولي الربيع يا لخمار…) أي : الحمار.
كما قد يهددك بعدم القدوم إلى العمل مرة أخرى، أو يرميك في (الكاشو) لساعات طويلة قبل انتهاء العمل إلى غاية عودة الجميع إلى وَكْرهم، كانت أمك في هذه الحالة تقلق لغيابك وتلجأ إلى تقصي أخبارك لدى أقرانك العائدين من العمل...
أما إن بقيت محبوسا حتى ساعة متأخرة من الليل، فتلك قصة أخرى، كلها عذاب وألم، خمسة كيلومترات، تلك هي المسافة التي تفصل ضيعة السيكور عن حي سالم، الخوف يجعلك ترتعد وتبكي ولا أحد يهتم بحالك، أنت لا زلت طفلا صغيرا، فقيرا، بريئا، أنت الآن محبوس والليل مقبل عليك، يوجس قلبك فزعا عندما تراودك تلك القصة التي كان العمال يتداولونها آنذاك فيما بينهم، تلك القصة التي تحكي عن وجود جنية بلباس أبيض تشرئب بين الحقول لتتصيد الأطفال... تفكر لو أطلق سراحك في جحيم الطريق من حقول السيكور إلى قناة ملوية التي تفصل الحقول عن المدينة، طريق يستحوذ عليك الرعب والهول والفزع وأنت تقطعها في الظلام.
وأما إن أنهيت عملك دون أي حساب لكنك كنت من الأواخر، ذهبت عنك (الريمورك)، وتوجهت إلى منزلك مترجلا، وعندما تصل إلى حي بوهديلة على هامش المدينة، ضع دريهماتك في حافظة صغيرة واخفها بين فخذيك أو في مكان أخر من جسدك يكون آمنا... قد يعترض طريقك قطاع الطرق أو الصوص ويسلبون منك ما اكتسبته من دراهم بعد مشقة مضنية دامت من آخر الليل إلى نهاية (العصرية).
كانت بعض الأمهات تأتي إلى مدخل المدينة من جهة السيكور لاستقبال أبنائها... وكان ذلك يخفف على الأطفال من حدة ظروف العمل القاسية، ويشعرهم بتقاسمهن معهم لآلامهم، لقد كان حنان الأم في تلك الظروف العصيبة زادا يملأ قلوب الأبناء أملا في حياة جديدة… كان ذلك هو ديدن اطفال " حقول العار " كلما حل موسم قطف النوار.
كنت واحدا من هؤلاء الأطفال المحرومين، ها أنا الآن قد كبرت ورغم مرور الزمن لا زالت هذه الذكريات الأليمة راسخة في ذهني، لقد أصبحت جزءا من ذاكرتي الشخصية، ترافقني في سري وفي علني أينما حللت، فكلما مررت بجانب حقول السيكور تذكرها، واستحوذت علي تلك اللقطات المؤلمة منها، ذكريات عاشها كل أطفال السبعينات في مدينة أبركان بأسرها ولن ينسوها أبدا.
فذات يوم حدثت نفسي وسألتها : كيف استطعت أن تعيشي في هذه المذلة وتصبري على تلك المهانة، فأجابتني : لا ينفع مع الفقر و(الميزيرية) إلا الصبر على تحمل الأذى، إلى أن يأتيَك الفرج مهللا يوما ما.
بهذه الكلمة الحكيمة والنغمة الحزينة تلقينا قصة صديقنا عبدو المقاول الذي ما فتئ أن قرأ القصة الأولى من " حقول العار " حتى فاجأنا برواية قصته .. فرغم مرور أكثر من خمسة وأربعين سنة على تاريخ أحداثها، فإنه سردها علينا بتفاصيلها الدقيقة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مرارة هذه الحقبة التاريخية من حياة ذلك الجيل... ستبقى هذه القصة شاهدة عليها، وستظل محفورة في ذاكرة الإنسانية إلى الأبد...
محمد مهداوي
--------------
اليَسْرُوع : نوع من دود القز (تَتَابُعُه متلاصقا فيما بينه يشبه تلاصق الريمورك بالجرار وهو يسحبها من ورائه).