مصطفى الحطابي
****
الكاتب و الدمية
قصّة قصيرة
" الابتسامة المفقودة "
في أحد
الأيام، كان كاتب يتجول في الشارع، فوجد دمية متسخة صغيرة بلا فم، دون أن يلاحظ
الفراشة التي ترافقها، فحملها ثم اتجه إلى
البيت مباشرة صوب غرفته، نظفها مسح الغبار المتراكم عليها، رسم ابتسامة بقلمه و
وضعها على مكتبه، بعد أيام أصبح كلما يكتب شيئا يقرأه عليها، أصبحت جزءا منه، لكن
في كل مرة يرسم ابتسامة عليها تختفي مع كل إطلالة، وكل مرة يرسم لها شخصية في
خياله، كالمتذمرة أو المعقدة.
أغلب شخصياته كانت سلبية، لأن تلك الابتسامة المخفية
تؤثر على كيانها، وكان يصفها بالحنونة تارة والسلبية تارة أخرى فيتركها، لكن سرعان
ما يرى بريق عينيها الذي يفقده غضبه، فتصبح شبه ابتسامة.
مرت الأيام وبدأت تلك الابتسامة بالظهور، بل
كلما رسمها إلا وبقي منها شيء بسيط يزداد مع الوقت، فنتيجة تعب الكاتب بدأت
بالظهور، تعلق بها كثيرا فأصبحت جزءا منه، لقبها بالبسمة لتكون فال خير، كان يلاحظ
تعلقها الكبير به الذي كان يخيفه كثيرا، يحس كأنها تقول له " أنت من أعطيتني
حياتي وعلمتني الابتسامة فأصبحت جزءا مني لن أفارقك مدى الحياة ".
في كل مرة تأتيه الفرص السّانحة ليرحل من تلك
المدينة، يبدأ بجمع حقائبه فيجدها تبكي و تصبح البسمة حزنا شديدا، كأنها تقول له
" أنت ملكي أنا وليس لأحد غيري، فإن رحلت لن يوجد من يواسيني " حتى إن
وضعها في الحقيبة تبكي، فوعدها بأنه سيبقى معها دائما، ولن يرحل عن ذاك البيت
الصغير، ولن يتخلى عليها، أصبحت ملهمته حتى أنه قرر البدء في كتابة قصتهما التي
أسماها " دميتي سعيدة ".
عادت الابتسامة من جديد فأصبحت تنام على وسادته
بجانب رأسه، تعلقا ببعضهما، قال لها في أحد الأوقات " أنت وقطتي متشابهتين،
تخدشانني تعضانني تغضبانني، لكني لا أستطيع رفض نومكما فوق صدري ومساعدتكما على
الارتياح "، أحس إحساسا غريبا، ذاك الاهتمام الكبير جعله نصفها الأخر، كأن
روحه سكنت فيها، بدءا في مرحلة التغيير فأصبحت ايجابية لكن الرياح تأتي بما لا
تشتهي السفن ...
حبّ شفيف.. !
انشغل
الكاتب ببعض الأعمال، ليهملها ويضعها في ركن فوق مكتبه بعدما كانت تنام بجانبه،
لكن لماذا ظهرت الفراشة أم جنية صغيرة، للأسف سقطت الابتسامة، وتجمع عليها أثار
الحزن و السعيدة تعست، أما هي لا حول لها ولا قوة، تريد الصراخ لكنها دمية، تبكي و
لا ينزل لها دمع، اختفت الابتسامة و تاهت بين وسوسات الجنية، وإذا بريح قوية تدخل
غرفته فتطيرها، ففرحت من كنا نظن أنها فراشة ترمز للخير، للأسف أظهرت وجهها
الحقيقي لتصبح جنية، دخل الكاتب فلم يجدها، صعق صديقنا و ندم على إهماله لها، فرمى
كتبه و غضب كثيرا ليخرج ويبحث عنها، يسأل الأطفال، يبحث في القمامة، كمن تاهت منه
حبيبته، يركض و عقله معها، أخيرا ... وجدها متسخة وممسوحة الابتسامة، كانت فرحة
ملطخة بدماء الحزن، رجعت إلى نفس حالتها في البداية، رسم ثم اختفاء ... لكنه يكفيه
أنه وجد من يفهمه، فأعاد كلماته عليها " أنت وقطتي متشابهتين، تخدشانني
تعضانني تغضبانني، لكني لا أستطيع رفض نومكما فوق صدري ومساعدتكما على الارتياح
" كما أضاف " لا أريد من يلهوا بك يوما ويرميك في اليوم الموالي، أنت
أصبحت جزءا مني، أخاف عليك كنفسي، أحبك أكثر مني، فلا تغيبي عني وإن قررت الابتعاد
فوصيتي تحت رأسك احمليها وارحلي " فأجابته في صمتها كالعادة " أنت من
مسح الغبار عني مرات كثيرة، و أرجع الابتسامة لي مرات كثيرة، فأنت من يقويني في
ضعفي، لن أرحل فأنا و قطتك ملكك "، تلك القشعريرة التي سارت بينها، ولتنتهي
هذه القصة على بقاء الدمية فوق وسادة الكاتب.










