صحوة الضمير
تتزاحم الخطوب مع النوائب فتقض المواجع المضاجع حين تتضارب الأفراح و الأقراح على ساحة الشجاعة و الجبن فتكون أنت المشتبه عليه يترنح دماغك بين الإقبال و الإدبار تقاوم السخط بالرضى و الوصال بالهجران في محاولة تلميم الجراح بشفرة حادة تزيدها اتساعا ماسكا الرمق الأخير من ذيول الخيبة مع فقدان الأمل بالرجاء .
في ليلة و ضحاها و نفس لا تعرف مناها ناد المنادي كأنه في قاع الوادي بصوت شديد يسبقه التهديد و الوعيد بجمل بينة انتفضت بعدما كانت مطمورة جوف الثرى :
ـ عرف عن نفسك و سيبقى هذا طي الكثمان .
انتبهت لهذا الخطاب الفجائي الذي أجهل مصدره و كواثق من الإجابة همست مجيبا لكن ، ترددت لبرهة لم تطاوعني الأحرف على النطق ، تمتمت بقول غير مفهوم ثم أعلنتها صريحة :
ـ الحق أنني ما عدت أعرف من أكون .
أحسست بشيء يقترب مني بأنفاس حارقة تلتهب ، فزمجر كالرعد بغير برق :
ـ صف لي نفسك .
حاولت ولكن خيانة التعبير جادت بالعطف ، وكمن يريد كسب المزيد من الوقت لأجل إيجاد الحلول قلت :
ـ من الداخل أو الخارج . ؟
شعرت به يدنوا مني فلامست شعيراته طبل أذني فقال :
ـ لك الإختيار قل و عجل فلست هنا لأفك الأحاجي .
شبكت أصابعي في تأمل و رضوخ لهذا الآمر ، أطرقت برأسي دون طوعي :
ـ الداخل منكسر و الباطن مظلم و الجنبات تآكلت بالصدأ وما على الأرض سوى رماد الحزن و شظايا الألم و قعقعة الذكريات .
رفعت عيناي كي أرى وقع كلامي في شكله المجهول لكني وجدته ما تأثر بما سمع ثم استطردت :
ـ و الخارج صورة دون قسمات ، شكل بغير لمحات ، طيف من ماض عريق ، شبح ليس له رفيق ، غير أسمال تستر ما عبث به الدهر و هندام نصفه يكشف ما تركه القهر .
أخدني من مجامع ثوبي و بدأ يهزني بعنف حتى كاد يخنقني ثم ضربني على عرض الحائط كشرير لا تعرف الرحمة لقلبه من سبيل و بعتاب :
ـ لا تحاول استفزازي لتجعل مني أضحوكة العصر بهذا الكبرياء الزائف لتنكر معرفتي .
أخدتني رعشة في حديثه الأخير ، تبصرت فيه ، الحق أنه وجه مألوف و لكنني عجزت عن تذكره فتوسلت إليه بسؤال :
ـ و أنى لي طاقة على تذكر من مر في حياتي ؟
ـ لست عابر سبيل كما تدعي ، بل كبرت في كنفك ، تحت رعايتك ، وسط مملكتك داخل عرشك .
ـ و أين كنت بعد أن رحلت .
ـ أنت من طردني بإهمالك فكنت غافلا طائشا تائها بين ردحات الماضي و أوهام المستقبل .
سئمت من ظله الثقيل و قوله التافه فرفعت يدي مشيرا بحركة من تجاسر بمقامه و قلت :
ـ أيا كنت ، كف عن هذا المسرحية التي لا طائل منا وارحل من حيث جئت فلا مكان عندك هنا .
بغير سابق انذار جائتني صفعة منه هزت كياني من جذوره حتى غاب عقلي للحظات و عاد على طنين في الأذن ثم صرخت في وجهه :
ـ لقد تذكرت من تكون أنت الضمير .
حينها كشف عن وجهه البهي بابتسامته المتعبة فلم أتمالك نفسي و عانقته بشدة و الدموع تتدحرج بسخاء فهمست في أذنه :
ـ لقد كبرت ، أين كنت يا رجل ؟
أبعدني بلطف من حضنه و قال :
ـ إنها قصة طويلة كطول الحديث الذي سيكون بيننا نبدأها في جلسة الليلة على مائدة التعارف .
خربشات الكاتب الصاعد
محمد عزيز سلطان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق