موسيقى

الأحد، 26 أغسطس 2018

" تجليـــاتُ رجلٍ لعينٍ "

" تجليـــاتُ رجلٍ لعينٍ "
بقلم : الحسيــــن بنزهرة
بدْءُ التجلي : قبو التجليــات اللعين
ضحــك لوجه روحه أخيرا ، لمدة دامت سنة من العبوس ، أخيرا في وجهه ضحك ، وتهللت أسارير خديـــه ، بعد معاناة يعود لبسمته ، ويضحك من أعماق قلبه ، و سي المختار قلما يضحك ، وقلما تراه يفتح فمه ، لأن الليالي التي مرت عليه كانت قاسية ، معذبة ، إنها ليالي الغربة الوجودية ، الغربة التي يشعر من خلالها المرء أنه لوحده في عالم مهيب ، مفزع ، قاتل .
سي المختار الآن يجلس على قمة الروح ، بعدما غادر وهجر فلسفلة المطرقة النتشوية ، المطرقة التي قسمت ظهر وجوديته ، وهدمت أس روحانيته ، وجعلته لا شيء ، واللاشيء هو كل شيء .
ملاحــظة : تخطي الكلام هو الكلام .
علة دون نتيجة : قارئ النص / الخطاب يتجلى في ضلوعك ، أدعوك لسماع نفسك فيك .
كان سي المختار قاسي القلب ، فضا غليظا لا يرحم نفسه ، انطلق في شبابه في رحلة البحث والكشف ، وتجلى له بعض الغموض ، وناقش بعض المفاهيم ، وكتب عن الله والوجود والإنسان ، وكان ديدنه هو البحث والقراءة في الكتب ، سي المختار عاش في تجليات الفلسفة الإلحادية ، حاجج ولاجج ، وكابر وعاند ، وجحد وأنكر ، وتعالى وتكبر ، واليوم ، ها هو اليوم تراه في سجن الوقت الضيق ، إنه يسابق الزمن عله يسبقه ، ويراود المنطق عله يروضه ، ويستبق موته الموعود ، الموت المشتهى كالفاكهة / الموت فاكهة الروح ، إنه يريد من حياته أن يريد ، وأن يخيط ثوب التقاليد البالي ، وأن يهتــك غربال الروح مرة أخرى / فلا عاش من لم يهتك غربال روحــه
كان ذات ليلة ماطرة ، في قبو تجلياته اللعينة ، يحلل ويفسر ويغربل ، ويتساءل مع نفسه التي تغربت عليه فيه ، يتساءل عن السير والمصير ، وعن البداية وعن النهاية ، وعن التجليات اللعينة ، وعن تجلي الروح في جسده اللعين ، وعن بقايا تجربته القديمة مع النص ، النصوص ، / الأفيون ، الذي يخدر كل عقل , ويقيد كل حركة تفكير حر ومستقل ، النص الذي لا يملك أصحابه إلا المص ، مص عروق الخطابات بشغف وشوق دون فكر ولا تفكير ، إن الفهم الذي يُقدسُ يجلبُ على أصحابه الويل والثبور ، وسي المختار ، عاش غمار هذه التجربة اللعينة ، قرأ الكثير من النصوص ، ولكنه الآن يرى أن اللصوص أقدس من النصوص ، لأن الكاتب الذي يكتب النص يسرق عقل أمة من الناس ، في حين أن اللص يسرق جيبا واحدا ، فلإرهاب مؤسس على الخطاب ، و لا بد من الهروب من سراديب النصوص المعتقة / القديمة ، أو إعادة مراجعة الخطابات القديمة ، وخلق خطابات حديثة ، تنسجم و روح العصر.
هي ثورة إذا قامت بها روحه ، والضباب الآن يتموج حوله ذات اليمين وذات الشمال ، ويريه أشياء فيها التجلي اللعين .
الأفيون المُقدس : تجليه هو الفتنة الكبرى فيه .
بدايــة بلا نهاية : شيء ما يزعجه ، إنه حديثه الذي لا يتوقف مع نفسه .
قبو التجليات ينسجم وهذه الليلة الماطرة ، حيث يوجد الكثير من الصمت ، وينعدم الكلام في ذهن سي المختار ، ورغم ابتسامته التي يجود بها وجهه الحزين بين الفينة والأخرى ، رغم ذلك فهو أبو العبوس في ماضيه ، لكن تلك قضية قد خلت ، لا طائل من ذكرها ولا تذكرها ، ولكن الذي يجب تذكره : أن سي المختار قضى ليلته تلك في تجل لعين ، كان مكشوف الساق ، ويردد كلمات من ذاته الغائبة ، التي يريد حضورها في حاضره ، ويقرأ من كتاب التراث ، ليرث عن الماضي بعض غباره اللعين ، وهي ليلة بقايا الإرث الميت المميت .
قبو التجليات سرداب فيه انغماس الروح في الوحل ، وهو سرداب قاتل ، مؤلــم ، والبصير من يبدأ بقتل الوقت ، وردة الوقت كانت هي العدو عند سي المختار / 11/3/2006.
كانت وردة الوقت تتعالى على الصمت والمنطق ، وكانت تجيء له بالضوء ، لأن كُتب الفلسفة أعتمت ليله ، وأظلمت نهاره السعيد ، وكان كل شيء عنده باطل ، غير أن وردة الوقت وهبت له بعض اليقين المشكوك فيه ، وصار التجلي عنده بعض عطايا الله العظيم ، ومنذ تلك الليلة ، في ذلك القبو اللعين ، اتخذ سي المختار من الوردة رفيقا .
سي المختار : لعينةُ أنتِ كاسمي ، لعينةُ مثل شاعر لا يفهمُ نفسه ولا يفهمُهُ غيره ، لعينةُ والضباب حولك كثيف يدفنك في رحم الموت .
وردة الوقت : مُبارك أنت سيدي ، مبارك وهذه القناديل شاهدة ، أنت سيدي ومولاي ، ومنك تأتي تجلياتُ زمني ، مبارك أنت كلسان وقْتي ، مُبارك وحُروفي من عطاياك .
سي المختار : لعينة يا وردة الموت ، يا صندوق الروح والجسد ، من أعطاك الحياة من أعطاك ؟
وردة الوقت : من أنفاسك انبعث شوقُ حياتي ، منْك جئت وإليك أعود سيدي ، ومعك إلى الأبد في نفس الطريق .
سي المختار يحلل النصوص / الخطابات كلها ، وينسى تحليل خطاب الروح ، لأن الروح نص ، نص له لغة ، وأسلوب ، وتجليات ، إن التجليات هي المدخل لفهم الحياة ، و سي المختار منذ وعى فكره ، بدأ يبحث عنه فيه كل ليلة في قبو تجلياته اللعينة .
بقلم : الحسين بنزهرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق