موسيقى

السبت، 15 ديسمبر 2018

ليلة الدخلة

*****************ليلة الدخلة************
وصلت اللحظة الحاسمة التي تتوج ليلة حفل الزفاف تلك التي اختلى فيها العريس مع عروسه والتي لم يكن بينه وبينها سوى بضع نظرات خجولة تبادلاها يوم الخطبة تحت زغاريد النساء ومباركة الرجال الذين قراوا الفاتحة ودعوا للعروسين بالسعادة ويعلن رسميا القران بكتابة عقد الزواج من طرف عدلين ليتفرق الجمع ضاربين موعدا لاقامة العرس ...
كان الحوار بين اهل العريس واهل العروس فيه شيء من الاخد والرد لكن الحكماء ساروا في اتجاه نجاح الصفقة وبناء مشروع اسرة جديدة ...كان العروسان يتابعان المفاوضات وينتظران نهايتها ذون ان يدليا برايهما سوى الاجابة عن سؤال العدلين حول القبول او الرفض لشريك الحياة المرتقب وما كان عليهما الا الاجابة باشارة بتحريك الراس في اتجاه عمودي مصحوبا بابتسامة خجولة ثم التوقيع اسفل الورقة ...اما الامور الاخرى فتركت لذوي الخبرة والتجربة من الاسرتين المتصاهرتين...
الامر الان متعلق بالنتيجة التي سيسفر عنها لقاء العريس بعروسه ...اول لقاء يجمعهما وجها لوجه ويضعهما في امتحان ينتظر الاخرون نتيجته ...
وبعد طول انتظار اخد بعض المتعجلين يطرق الباب عليهما ويطلب من العريس الترجل والاسراع...
لم يكن امام العريس حل سوى اخراج شفرة حلاقة من جيبه لجرح ابهام قدمه ومسح ما به من دم في سروال عروسه وهي تكتم ضحكاتها...
ينظر اليها مبتسما وهو يقول
-انهم يريدون دمك على السروال ...فهاهو دم اصبعي عله يشفي غليلهم....
*****محمد بو عمران /مراكش********

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

دون عنوان

Samira Charaf
********
tag
بالقاعة الثانية أسندت لها المهمة التي ستطول سنة كاملة. لم يكن لأحد حق الاختيار. كنت تأتي في يومك الذي يغتصب منك حق التمتع فيه بحرية شخصية فتقدم لك الترتيبات و المستجدات والتي من بينها: من رحل عن المؤسسة و من سيأتي إليها إما جديدا يرفل في سعادة التعيين الذي يعني عنده الاستكشاف و التغيير سواء كان للأحسن أو للأسوء. وإما بدأ في مراكمة السنوات تزيده التجربة تقديرا و احتراما. تقبل كثيرا ذلك اليوم.. وتبتسم أكثر و تطغى عليك نشوة الثقة التي تهمس في أذنك أنك مفيد مستفيد. تقول باسم الله عليه توكلت، ربي اهدني الصراط المستقيم.. ذاك الذي وحدك تعرف دقة صدقه و مقدار حقه. تعود فرحا لكنك منهك بالعمل.. سعيد بالعودة حين تنعي العطلة و تحزن لفراقها و تتمنى عودتها في قريب و في ظروف أحسن. تتعود مرة أخرى على عمل وددت لو لم تشبه الاعطاب و يشوشه الخجل، تكاد تشعر أنك وفي صادق ممتع و مجدد... تلك كانت رسالتك و أنت مبلغها. تعيش و أنت وفي لك، لم تترك للصراع مجالا بين ثنايا قلبك.. فعشت كما هو مخطط لك مع هامش من انفلات... كنت كلما فعلت شيئا أحسست أنه الأفضل. وكلما رأيت العكس استنكرته و ابتعدت عنه.. إنك عظيم لو تدري،
رأته و تعلقت برؤيته التي كانت تشكل لها لحظة بقاء.. كان مبادرا إلى لفت انتباهها فاغراها ذلك منه و نال منها الحضور. تعاقدا.. ثم لازالا يفيان لهذا العقد.
سميرة شرف

قصة_صايرة

⚘⚘ قصة قصيرة⚘⚘
هي قصة موجعة تمثلها الليالي السوداء بين ظلوع كل امرأة وجدت نفسها وحيدة أرملة بعد غياب عنها رفيق دربها ، هذا ماحصل لصابرة توفي عنها زوجها تاركا لها أحمد ومنال لم تورث منه سوى الفقر والحاجة .... وتلك المسؤولية التي ألقيت على عاتقها وهي مازالت في ربيع عمرها.
صنعت من المعاناة وقسوة الظروف حياة بالكاد تعيشها فوضغتها بين يدي ولديها وكرستها لأجلهما ، تعلم أن زوجها كان يمثل لها ولأبنائها الأمن والأمان من غذر الزمان لكن ذلك الصرح تهدم بغيابه..... أصبحت الآن الحياة تبدو لصابرة غامضة لاتعرف مايخبئه لها الدهر.....كيف ستواجه الآن ذاك المجهول ؟ وهي التي لم يسبق لها ان خرجت إلى معترك الحياة ولاعملت في أي مجال ولا خالطت أصناف الناس حتى تكتشف طبائعهم المتقلبة حسب المصالح.
فبذهاب زوجها إلى العالم الآخر دفنت صابرة كل أحلامها في أعماقها واستبدلتها بأحلام ابنائها لتنسج من أحزانها ثيابا لهما حتى تفرحهما وبالفعل هذا ما فعلته فحتى تكمل مشوارها كانت قد أحضرت ماكينة خياطة إلى غرفتها المتواضعة .....تخيط بها الملابس وتدفعها إلى الأسواق والمتاجر الصغيرة حتى توفر لقمة العيش لفلذات كبدها وايضا ليظلا في دراستهما مثل أترابهم.
فهي لاتريد أن يشعرا بغياب الأب وإن كان ذلك مستحيلا ، فالمسكبنة لم تمل يوما من العمل دون توقف فكم من مرة إختلطت دموعها بعرقها لترسم ملحمة إنسانية اظهرت فيها مدى تحملها وصبرها رغم ضعفها ورقتها إلا أنها كانت تستمد من عاطفتها كل القوة والطاقة لتساير بها التيار وتواجه كل المحن.
لم تنسى في السنة الأولى التي مات فيها زوجها وكان قد صادف العيد الاول الذي فيه يجب عليها ان تحضر لأبنائها ملابس العيد ....كم أرقها ذلك وأذهب النوم من عينيها لأنه كانت هناك ثمة اشياء اخرى تتبعها إيجار البيت ومصاريف الأكل و اشياء كثيرة..... لكن ما كان يخيفها ان لاتتمكن من أن تخيط ملابس أبنائها..... فهما مازالا صغيران لابد عليهما أن يفرحا مثل اقرانهم وخصوصا أن امهما خياطة وتخيط الكثير لذا لن يحملا هموم ذلك هي من ستحمله.
تمنت صابرة لو يعرفا ان ذلك ليس سهلا لكن هي لاتريد إشراكهما في ذلك ولا أن تتعب تفكيرهما فقط أن يركزا في دراستهما التي تعتبرها أملها وأمل الاولاد ليس مهما هي فستضاعف مجهوداتها وقد لاتنام إلا ساعة واحدة في اليوم .......مايهمها ان لا تتركهما يشعرا باليتم وخصوصا في تلك المناسبة بل ستفرحهما ويلبسا ملابس العيد.
فصابرة قد عاهدت نفسها سابقا أن تكون الأصلب في المحن والأشد في الظروف القاسية وأن تضحي وتعطي وهي في قمة الاحتياج فذاك هو العطاء وذاك هو الإيثار......وبالفعل فقد تمكنت أن تسعدهما ويخرجا بأحلى حلة مقابل تعب شديد لم يعلمه إلا الله.
هذه قصة قد لاتكون فقط صابرة من عانتها وتعانيها بل هناك العديد وقد يكون هناك أكثر منها عوزا ومعاناة لكن لا أحد يسأل عن تلك الفئة ولا عن اليتيم كي يفرح مثل غيره ويلبس ملابس العيد هو الآخر
او ليس ذلك من حقه ؟؟؟؟

الأحد، 9 ديسمبر 2018

تتمة قصة " حقول العار

محمد مهداوي‎ 
***********
..... تتمة قصة " حقول العار " .....
..... رحلة العذاب ....
... بقلم الأستاذ : محمد مهداوي ...
تقديم : محمد موح.
أتحفنا الأخ الزجال والقاصّ محمد مهداوي كعادته، بقصة ثانية في إطار تتبعه لسلسلة الواقع المرير، الذي كان يعاني منه أطفال السبعينات بخاصة في ضيعة السيكور بإقليم بركان، التي كانت تسمى عرفا بعامية بني يزناسن : الفيرما اديال النوار.
قصة لا تقل أهمية وروعة من سابقتها، سماها " رحلة العذاب "، وفيها يسرد لنا معاناة بطلها عبدو بطريقة فنية، وبأسلوب واضح شفاف ومؤثر للغاية.
قصة لا يمكن فصلها عن قصة " حقول العار"، إن لم تكن جزءا لا يتجزأ منها سواء من حيث المعاني التي تحملها أو من حيث سيرورة الأحداث التي تسردها، وكأن القصة في مجملها لا تزال مستمرة ولم تكتمل بعد.
لذلك، فمن خلال تدخلات القراء وتعليقاتهم المنتظرة، أتوقع ظهور شهادات جديدة قد يضيفها الأستاذ محمد مهداوي إلى فصول أخرى من القصة، حتى نتمكن من الاطلاع على تفاصيل الأحداث بكاملها، ونعرف حقيقة ما خلفته حقول العار من آثار في نفوس أولئك العمال الأبرياء.
أما اختياري لهذا التقديم فهو نابع من كوني عايشت نفس الظروف الصعبة التي كان يعانى منها الأطفال والرجال والنساء في السيكور، وقوبلت بنفس التعامل القهري المستبد الذي لم يكن ممارسوه يعرفون معنى الرحمة والشفقة آنذاك، ولقد صدق الأخ عبدو بطل الرحلة عندما صرح بأن المعاناة كانت جماعية تشمل كافة ساكنة مدينة أبركان.
لكن، رغم قساوة تلك الظروف وما كان يدور في فلكها من مذلة وإهانة وقمع واضطهاد، ارتأيت من خلال هذا التقديم أن أشير بعجالة إلى شيء آخر كان أخف وأظرف من ظاهرة القمع والإهانة التي كانت سائدة آنذاك، يتعلق الأمر ببعض الطرائف والعادات التي كان يمارسها الأطفال والشباب من عمال السيكور فيما بينهم، طرائف وعادات كان يُتخذ بعضها كوسيلة من وسائل التسلية والترفيه وقت الحاجة، وكان يراد ببعضها الآخر التمرد على ذلك النوع من الحصار الذي كان مفروضا على العمال، كما قد يستعمل بعضها لمجرد تناسي الآلام وتجاوز المعاناة، لأن هم الناس في تلك الفترة كان يتمثل في الأجر مقابل العمل... وهكذا. ومن أهم تلك العادات :
1 - لجوء الأطفال والشبان إلى الاستحمام خفية في السواقي المجاورة أثناء غياب الكابران، وكان ذلك يعجبهم كثيرا، وكان بعضهم ينسى أنه في عمل، فيطيل الاستحمام إلى أن يفاجأ بانتصاب الكابران أمامه.
2 - ابتداع الفتيات لسجال غنائي فتان، سواء بالليل أو بالنهار، والذي كان يسهر الجميع على سماعه وهم منشغلون بالعمل.
3 - خرق تحذير الكابران للعمال بعدم الدخول إلى بعض الحقول، التي كان يلج إليها الأطفال خلسة ليلا لقطف الورود ذات الحجم الكبير من شجيرات الياسمين المليئة (مزرزرة).
4 - انتهاز غفلة بعض العمال ووضع أوراق الجاسمة (الياسمين) في قعر قُفَفهم وتغطيتها بالنوار، لكي يقف عليها الرومي أثناء عملية التفتيش في الميزان، ويعاقب عليها أصحباها ظلما.
5 - وضع بعضهم لغُبْجَة (كفة) من النوار على بَرازهم أثناء قضاء حاجتهم، فيجمعها أحد المُغَفَّلين وتتلطخ يده.
6 - اصطناع الأصوات أو تغييرها لمناداة أشخاص متواجدين على بعد، أو بعض الكابرانات بألقاب مشينة كانت تنسب لهم سُخْرا وتهكُّما، وغالبا ما كانت هذه العادة تحدث ليلا.
7 - فرحة الأطفال واستعجالهم لتقاضي أجورهم، لكي يلجؤوا بسرعة إلى بقالة متنقلة مؤقتة موجودة بعين المكان، لشراء حلويات ومشروبات وقطع من الخبز الرومي قبل أن تنضب.
8 - إجراء منافسات في أكل رغيف من الخبز الرومي العريض (بالانجي) دون توقف ومن غير إتباعه ولو بجرعة واحدة من الماء، كان الشاف البكاي أو الرومي يأمران بالقيام بهذه اللعبة الخطيرة أثناء عملية تقاضي الأجور، فيعينان لها متبارين يتسليان بهم. لقد كانت هذه اللعبة تؤدي في بعض الأحيان إلى اختناق أحد المتنافسين.
إلى غير ذلك من العادات والظواهر التي كانت تتكرر يوميا، منها ما كانت له عواقب خطيرة على أمن أو صحة الأطفال، ومنها ما كان حقا يُتسلى ويُترفه به.
القصة : ..... رحلة العذاب …بقلم محمد مهداوي
الثالثة ليلا، ظلام دامس، برد قارس، نخرح فرادى وجماعات من منازلنا، فنسرع لأول حائط عال ننْدَسّ تحته، لعله يمدنا بشيء من الدفء... حقيقة، كنا نَسْتَلِذُّ بهذه الوقفة، لأنها كانت أرحم من العراء، وأحَنّ علينا من قساوة الزمهرير الذي كان يجعل أسناننا تصطك لوحدها، كأننا نعزف لحنا من ألحان الصرار الخالدة.
على بعد أميال، نسمع محرك (التراكتور) قادما من بعيد يجر أذياله، يئن بصوته المحشرج، يجر عربة حديدية، فنحس أنه والعربة متخاصمان؛ أحيانا يحاول جرها نحو اليمين وهي تتجه نحو اليسار، وأحيانا تأبى إلا أن تنقاد إليه وتتبعه تتابع اليَسْرُوع، وقد تكون العربة هي أيضا مثلنا، مجرورة جرا نحو (فيرما السيكور) في هذا الجو القاتم، لعل الوصال السري الذي يربط بينهما سينقطع يوما ما بسبب أنين الأطفال الأبرياء وصرخات العَذارَى…
- (هيا اطلعوا... ازربو... مغدي نستنى حتى واحد… اللي مركبش غادي يجي على رجليه…)
نخرج أيدينا من جيوبنا، ونتسلق العربة كالقردة مسرعين، لعلنا نظفر بالركن الأمامي ل (الريمورك)، لأنه عال وسيقينا من قر البرد... نتمدد أرضا على الوَاطِئَة، نجلس داخل الدرعية، ونضع أخرى على رؤوسنا لنتقي زمهرير (الفجرية)، نحاول استغلال لحظات الرحلة الطويلة لنمتع جفوننا بقسط من النوم، خاصة وأن الرحلة الماراطونية ستشق عدة أحياء في مدينة أبركان، من حي سالم إلى حي المكتب، ومن حي الطحطاحة إلى حي المحال، ومن بويقشار إلى بوهديلة المحطة ما قبل الأخيرة التي سيهبط فيها من بعد كل الراكبين...
في الحقيقة، لم تكن عربة النقل هذه تحتمل كل هذا العدد من الأطفال والفتيات والشبان أثناء رحلتنا الليلية، لقد كانت تضيق كثيرا كأنها علبة سردين مصفف. رغم ذلك، ومع كل هذه الزحمة، كنا نحس بشيء من الدفء عندما تلتصق الأجسام المحتشدة في العربة بعضها ببعض.
بعد حوالي ساعة أو أكثر من العذاب، نصل إلى (فيرما) النوار، نبدأ في النزول ونسمع (الكابرانات) يصرخون :
- (زوج… زوج... ديرو الصف... وإلا…)
فعلا نصطف كالجنود، ملبين نداء القهر والقوة، ويتم توزيعنا على خطوط النّوَّار بطريقة لم تكن أبدا عادلة، لم نكن قادرين على أن ننْبِس بِبِنْتِ شَفَة... وإلا سنُتَّهَم بكوننا (راسنا قاسح)، ويزجّ بنا في الكاشو مع المعاول والفؤوس والأدوية الكيماوية والفئران…
قد يكون (الكابرانات) أحيانا غائبين أثناء وصول الشاحنة إلى (الفيرما)، وفي هذه الحالة ترانا نقفز مِنْ عليها إلى الأرض لنتجه جريا إلى مكان العمل عَلَّنا نحصل على الخطوط المُكثَّفة التي كان يتسابق عليها الجميع، أو على خطوط قريبة من الميزان لنكون من الأوائل في الصف عندما يدق الناقوس.
ها نحن بين الخطوط منهمكون في قطف ورود الياسمين البيضاء، نحاول ألا نترك أي وردة خلفنا، لربح الوقت من جهة، ولكي لا نرغم على العودة مرة أخرى إلى تنقية ما خلفناه من (نواور) وراءنا... وكنا كذلك نتحاشى تلك العبارات السفيهة، وذلك الكلام الفاحش الذي كان (الكابران) يمطرنا به، مع تهديده إيانا باقتطاع دريهمات من أجرنا أثناء عملية الوزن.
كنا نخضع أثناء هذه العملية لامتحان غير يسير، يقوم خلالها الرومي وحاشيته بمراقبة نوعية الورود وجودتها، فإن تغير لونها أو ذبلت فذاك يوم عسير، وإذا كانت مختلطة (بالبورجون) أو بأوراق الياسمين الخضراء، يأتيك الرومي ويشدك من أذنيك شدا مؤلما، أو يرفعك من مؤخرة شعرك إلى السماء قائلا :
- (افتح فمك و كولي الربيع يا لخمار…) أي : الحمار.
كما قد يهددك بعدم القدوم إلى العمل مرة أخرى، أو يرميك في (الكاشو) لساعات طويلة قبل انتهاء العمل إلى غاية عودة الجميع إلى وَكْرهم، كانت أمك في هذه الحالة تقلق لغيابك وتلجأ إلى تقصي أخبارك لدى أقرانك العائدين من العمل...
أما إن بقيت محبوسا حتى ساعة متأخرة من الليل، فتلك قصة أخرى، كلها عذاب وألم، خمسة كيلومترات، تلك هي المسافة التي تفصل ضيعة السيكور عن حي سالم، الخوف يجعلك ترتعد وتبكي ولا أحد يهتم بحالك، أنت لا زلت طفلا صغيرا، فقيرا، بريئا، أنت الآن محبوس والليل مقبل عليك، يوجس قلبك فزعا عندما تراودك تلك القصة التي كان العمال يتداولونها آنذاك فيما بينهم، تلك القصة التي تحكي عن وجود جنية بلباس أبيض تشرئب بين الحقول لتتصيد الأطفال... تفكر لو أطلق سراحك في جحيم الطريق من حقول السيكور إلى قناة ملوية التي تفصل الحقول عن المدينة، طريق يستحوذ عليك الرعب والهول والفزع وأنت تقطعها في الظلام.
وأما إن أنهيت عملك دون أي حساب لكنك كنت من الأواخر، ذهبت عنك (الريمورك)، وتوجهت إلى منزلك مترجلا، وعندما تصل إلى حي بوهديلة على هامش المدينة، ضع دريهماتك في حافظة صغيرة واخفها بين فخذيك أو في مكان أخر من جسدك يكون آمنا... قد يعترض طريقك قطاع الطرق أو الصوص ويسلبون منك ما اكتسبته من دراهم بعد مشقة مضنية دامت من آخر الليل إلى نهاية (العصرية).
كانت بعض الأمهات تأتي إلى مدخل المدينة من جهة السيكور لاستقبال أبنائها... وكان ذلك يخفف على الأطفال من حدة ظروف العمل القاسية، ويشعرهم بتقاسمهن معهم لآلامهم، لقد كان حنان الأم في تلك الظروف العصيبة زادا يملأ قلوب الأبناء أملا في حياة جديدة… كان ذلك هو ديدن اطفال " حقول العار " كلما حل موسم قطف النوار.
كنت واحدا من هؤلاء الأطفال المحرومين، ها أنا الآن قد كبرت ورغم مرور الزمن لا زالت هذه الذكريات الأليمة راسخة في ذهني، لقد أصبحت جزءا من ذاكرتي الشخصية، ترافقني في سري وفي علني أينما حللت، فكلما مررت بجانب حقول السيكور تذكرها، واستحوذت علي تلك اللقطات المؤلمة منها، ذكريات عاشها كل أطفال السبعينات في مدينة أبركان بأسرها ولن ينسوها أبدا.
فذات يوم حدثت نفسي وسألتها : كيف استطعت أن تعيشي في هذه المذلة وتصبري على تلك المهانة، فأجابتني : لا ينفع مع الفقر و(الميزيرية) إلا الصبر على تحمل الأذى، إلى أن يأتيَك الفرج مهللا يوما ما.
بهذه الكلمة الحكيمة والنغمة الحزينة تلقينا قصة صديقنا عبدو المقاول الذي ما فتئ أن قرأ القصة الأولى من " حقول العار " حتى فاجأنا برواية قصته .. فرغم مرور أكثر من خمسة وأربعين سنة على تاريخ أحداثها، فإنه سردها علينا بتفاصيلها الدقيقة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مرارة هذه الحقبة التاريخية من حياة ذلك الجيل... ستبقى هذه القصة شاهدة عليها، وستظل محفورة في ذاكرة الإنسانية إلى الأبد...
محمد مهداوي
--------------
اليَسْرُوع : نوع من دود القز (تَتَابُعُه متلاصقا فيما بينه يشبه تلاصق الريمورك بالجرار وهو يسحبها من ورائه).

الخميس، 6 ديسمبر 2018

ثقب في السور



**********************ثقب في السور***************

هذا السور السامق الذي يحف هذا البستان لم يكن ليمنع فضول الاطفال من الانسلال الى داخله وقطف بعض ما جادت به اشجاره المثمرة بسرعة فائقة ثم الخروج منتشين بنجاح عملية السطو ...والواقع ان ثمار المترعرعة على اغصان اشجار هذا البستان من النوع الجيد نظرا للرعاية الفائقة التي يحظى بها ...تفاح واجاص وبرتقال تسيل اللعب وتجعل ناظرها يامل في الظفر بها ...
الضيعة هي لاحد اثرياء القوم توجد على مقربة من احياء هامشية نبتت على مشارف المدينة مما جعل مالكها يتقي شر الغرباء باحاطتها بجدار يستحيل صعوده مما جعل اطفال الحي ينشئون مدخلا عبارة عن ثقب في اسفله وفي مكان خفي بعيد عن الانظار ...ثقب يتسع فقط لاجسامهم النحيفة يمكنهم من الانسلال الى الداخل بيسر وذون اثارة انتباه الحراس ...
الاشجار المتاخمة لمكان الثقب عانت من النهب المستمر مما جعل بعض فرورعها تظهر فيها فراغات تدل على تعرضها للقطف من طرف الغرباء ...
اطمئنان الحراس لمناعة السور جعلهم لا يتفقدون كل جنبات الضيعة ويكتفون بجولات تفقدية قصيرة وسطه بين الفينة والاخرى ...لكن هول المفاجئة سيكون قويا حين سينبههم صاحب الضيعة الى الامر ويوبخهم على تقصيرهم وعدم قيامهم بالواجب...
صف الاشجار الموالي للثقب جعلهم يكتشفون سر فراغ الفروع فبادروا الى اغلاق الثقب وترميم المنفذ بالحجارة والاسمنت ...
بعض اطفال الحي اتو الى المكان ليمارسوا عادتهم وينعموا بما لذ وطاب من ثمار البستان ليجدوا المنفذ مغلق في وجوههم ...احسوا بالخيبة ...قال احدهم بعد تفكير عميق...
-المشكل بسيط جدا سنحفر ثقبا اخر ...في مكان اخر ...فالسور رغم علوه فهو هش ...
*********محمد بوعمران /مراكش***********

(رحيل) قصة دايت

(رحيل) قصة دايت
متردد دائما أحيانا يحدث نفسه وينظر للافق
لا ليس مترددا ولكنه جاد يريد أن ينجز عمله وكافة اموره بسرعة يعلم ان الحياة قصيرة مهما طال العمر وامتدد
ياهذا هناك فرق بين التردد والإنجاز 
نعم وهذا مايجعله احيانا
يبدل أفكاره ويرجع عن فكرة قررها بسرعة فيعود
ويتراجع انها متزن هو
اب وجد لأحفاد
بالأمس كان يشعر بضيق
سرعان ما وجد نفسه وسط جميع أولاده وزوجته واحفاده وإخوته كان وسط زحام الكل يحيط به
لايعلم من اين حضروا ولامتي وكانت زوجته حاضرة الكل مجتمع في غرفته وجوههم حزينة ويغلف نظراتهم الصمت
كان يقتله العجب كيف دخلوا جميعا ولم يشعر بهم
انها تباشير الصباح ترتسم
علي وجه زجاج غرفته
مااتقل جسمي اااستطيع الحراك نظر فوجد باب غرفته موصد ونور الصالة
مشاء لكنه شعر بجمع الامس مازال موجود مازال الصمت يحيط بالمكان
الا صوت اصغر أحفاده يجري حول ترابيزة السفرة
ويصطدم بكراسيها وصوت ابنته تظهره وتطلب منه الهدوء
اخذ ينادي زوجته صوته يرتد اليه كالصدي ماهذ ا
أحدهم يحرك مقبض باب غرفته ينجح في الدخول انه اكبر أحفاده دخل بسرعه وقبله علي جبينه وخرج بنفس السرعة
ماهذا ماذا يحدث
جرس الباب زوجته تفتح الباب انه ابن عمها كان تقدم لخطبتها ورفضته
انه يسلم عليها يقابله ابني الاكبر ويصطحبه الي الصالون
تأخرت عن عملي اليوم مازلت طريح الفراش
لااتذكر اني صليت الفجر
سأصليه صبح
يرن التليفون
ترد ابنتي رغم صوتها المنخفض اسمعها انه صديقي يطمئن علي
انها تجيبه
تشكره علي الاتصال
تجيبه
نعم بعد صلاة الظهر
المقابر ليست بعيدة
نعم سيارة الاسعاف
تختم حديثها
البقاء لله
محمد رسول الله
طارق

الثلاثاء، 4 ديسمبر 2018

حواري على جريدة الحياة (الأردنية)

نعيمة السي أعراب
********
حواري على جريدة الحياة (الأردنية) في عددها ليوم الخميس 15 نونبر 2018:
---------------------------------------------------------------------------
أكدت المهندسة والكاتبة من المملكة المغربية نعيمة السي أعراب في لقاء خاص وحصري ل "الحياة" بأن التنوع الهائل لمصادر المعلومات والميديا والتواصل الاجتماعي حقق انفتاحا غير مسبوق للثقافات والقوميات على بعضها. ربما هذا الانفتاح سبب نوعا من الصراع الفكري، لكنه مد جسرا لتلاقح لانهائي بين الذات العربية والآخر. وهذا جعل المثقف العربي لا يكاد يختلف عن المثقف العالمي أو الغربي تحديدا، منوهة ان القصة أو الرواية أو الفنون السردية عموما (بما فيها السيرة) تعرف انتشارا واهتماما كبيرا في الوطن العربي، بنسبة تفوق المجالات الإبداعية الأخرى، لكنها تظل محصورة في منتديات وتجمعات ضيقة ولا تلقى الدعم الذي تستحق . وتاليا نص اللقاء:
1. كيف تنظرين إلى الحالة الثقافية والأدبية في الوطن العربي؟
الحالة الثقافية في الوطن العربي متأثرة بالوضع العام، وهذا طبيعي. فنجد أن تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية عموما، وطغيان الهرولة السياسية والاسترزاق، جعلت ثقافة البهرجة والفلكلور هي الطاغية للأسف، مع وجود استثناءات بالطبع، إذ أن دور المثقف الحقيقي هو المقاومة.
هذا بالإضافة إلى أننا نعيش في زمن يعرف الكثير من التغيرات المتسارعة على مستوى القيم بفعل العولمة وتطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال خاصة مع اكتساح الافتراضي.
لكن من جهة أخرى، نلاحظ أن التنوع الهائل لمصادر المعلومات والميديا والتواصل الاجتماعي، حقق انفتاحا غير مسبوق للثقافات والقوميات على بعضها. ربما هذا الانفتاح سبب نوعا من الصراع الفكري، لكنه مد جسرا لتلاقح لانهائي بين الذات العربية والآخر. وهذا جعل المثقف العربي لا يكاد يختلف عن المثقف العالمي أو الغربي تحديدا، إلا فيما يخص الهوية الدينية والجغرافية وكذا المكانة المميزة التي يحتلها المثقف الغربي في مجتمعه. وهكذا نرى مثلا أن المثقف في العالم العربي أو الأديب بشكل خاص، بفضل ما هو متاح تقنيا وتفاعليا اليوم، أصبح مؤثرا بشكل مباشر في واقع الأحداث، وليس مجرد متابع لها في انتظار نهايتها حتى يقوم بتأريخها روائيا أو شعريا.
ويمكننا القول عموما أن الأدب لا زال يحتفظ بمكانته في تشكيل ثقافة المواطن العربي، وإن غير قليلا من شكله ووسائله.
2. ماذا عن القصة في الوطن العربي ودرجة الاهتمام بها؟
تعرف القصة أو الرواية أو الفنون السردية عموما (بما فيها السيرة) انتشارا واهتماما كبيرا في الوطن العربي بنسبة تفوق المجالات الإبداعية الأخرى، لكنها تظل محصورة في منتديات وتجمعات ضيقة ولا تلقى الدعم الذي تستحق؛ بينما هناك لوبيات خاصة تتحكم في الدعم الذي يمكن تقديمه للكتاب، كما تسيطر على دواليب المهرجانات وصناعة القصة، حتى الجوائز التي تخضع غالبا لاعتبارات ليست بالضرورة ثقافية أو إبداعية، وإنما منطق الولاءات والتبعية قبل كل شيء.
3. هل تعتقدين بأننا سنرى أدباء وكتابا عربا يصلون إلى العالمية ذات يوم؟
بالنسبة للعالمية، فقد حققها الأدباء العرب غير ما مرة. مثلا نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب، وأحلام مستغانمي، والكاتب المغربي محمد شكري وروايته "الخبز الحافي" التي ترجمت إلى 15 لغة عالمية منها اليابانية.
وهناك غيرهم كتاب مميزون وباستطاعتهم الوصول للعالمية، كما الحال في باقي المجالات منها العلمية أو التقنية.
في اعتقادي، إن الخطوة الأساسية لبلوغ العالمية تبدأ من خلال المحافظة على خصوصيات المحلية. لن تكون عالميا إذا عرضت نفسك للذوبان في مصنع عولمة الأفكار، بل ضروري من التميز عبر التشبث بالهوية والخصوصية المحلية لمفاجأة العالم بعوالمك المختلفة.
4. ما الذي يحول دون تطور الحالة الأدبية والثقافية والقصة في الوطن العربي؟
هناك عوامل كثيرة، منها بالأساس ضيق هامش الحريات وطغيان السياسي، إضافة إلى تردي الأوضاع الاجتماعية للمواطن الذي يكتفي بالضروريات المعيشية، بعيدا عن الكتاب الذي هو غذاء الفكر.
5. هل لديك كتب أدبية قمت بنشرها واسمائها؟
أنا حاليا بصدد كتابة روايتي الأولى وهي بعنوان "حديقة القلب"، وقد وصلت إلى مراحلها الأخيرة.
6. كيف تعرفين على نفسك؟
نعيمة السي أعراب، من مواليد الرباط (المغرب) سنة 1970م. مهندسة وكاتبة رأي. نشرت عدة مقالات على جرائد ومجلات مغربية وعربية.
7. لو كان لديك رسالة لمن يهمه الأمر لتطوير الحالة الأدبية والثقافية في الوطن العربي، ماذا تقولين له؟
من الضروري أن نستثمر في التربية والتعليم والثقافة لصنع مواطن المستقبل. بالإضافة إلى ضرورة الاعتناء بالمثقف وتثمين جهده والاحتفاء بعمله وتقديره كما هو الشأن في الدول المتقدمة. وهذا قرار سياسي بالأساس.
8. هل الأدب والثقافة تطعم خبزا؟
ليس بالضرورة. فمثلا باستثناء شعراء التكسب، لا يذكر التاريخ أن الأدب كان مصدر عيش كريم. لكن هناك استثناءات كثيرة بالطبع لأعمال نجحت بشكل لافت وحققت مبيعات ضخمة وعائدات مالية كبيرة في حياة الكاتب.
9. ما حال القصة والحالة الثقافية في المملكة المغربية؟
عرفت القصة في المغرب تطورا نوعيا منذ أربعينيات القرن الماضي، انطلاقا من مرحلة التأسيس وبلوغا الى مرحلة ما سماه الكاتب المغربي الكبير احمد بوزفور الأفق الأزرق عند كتاب التسعينيات الشباب.
فبخلاف القصة أو الرواية في بعض الأقطار العربية خاصة مصر بحيث ارتبطت بالسينما وتطورت معها، ظلت الكتابة السردية بالمغرب منعزلة عن الإنتاج السينمائي.
كما تأثرت بفترة تضييق الحريات خلال ما عرف بسنوات الرصاص، أدت إلى لجوء أغلبية الكتاب إلى الكتابة الرمزية.
ثم فترة التسعينات حيث بلغت القصة آنذاك نوعا من النضج والتحرر في الخطاب والقدرة الهائلة على التجريب في اللغة والطرح الفلسفي والفني والاجتماعي.
واليوم نحن في مرحلة جديدة، حيث أصبحت للكتاب الالكتروني كلمته، بينما يتسم المشهد السردي عموما بنوع من الفوضوية والضبابية وتداخل المفاهيم، مع حالة من الفلتان الفكري سواء تعلق الأمر بالأنساق الفنية الأدبية أو اللغة وما شابه من مقومات هذا الفن؛ فمن جهة، نجد دعاة العمل الميداني والإصرار على جدوى الكتاب الورقي الذي يكاد ينعدم الإقبال عليه إلا في أوساط نخبوية ثقافية خاصة. وفي المقابل، نجد أصحاب المواقع الإلكترونية الخاصة والتي رغم تكاثرها قد لا يكون لها إقبال جاد من لدن القراء والنقاد والكتاب على حد سواء.
في الختام أود التعبير عن شكري لكم ولجريدة الحياة والعاملين بها وكل القراء الأردنيين.
الحياة – حاوره محمد بدوي (Mohammed Badawi)

شجرة الشّاون

نعيمة السي أعراب
**********
شجرة الشّاون
---------------
رجعت عايدة من جولتها مساءً إلى الفندق، وجلست تشاهد التّلفاز ومناظر المدينة الزّرقاء تتراقص أمام عينيها حتّى أخذها النّوم، فرأت حلماً عجيباً...
رأت نفسها وقد تحوّلت إلى شجرة أرز عظيمة، جذورها في الأرض وأغصانها في السّماء، تحرّكها الرياح، فلا تنال منها شيئاً... فجأة، سمعت منادياً ينادي:
"يا شجرة الشّاون العظيمة! يا شجرة الشّاون العظيمة!".
التفتت ذات اليمين وذات الشّمال، فلم تجد أحداً، ثمّ نظرت إلى أسفل، فظهر لها راعٍ جميل ومعه معزتان صغيرتان. خاطبته قائلة:
"- ماذا تريد أيّها الرّاعي؟
- يا شجرة الشّاون العظيمة، إنّي راعٍ وحيد، وقد تُهتُ في البراري وتعبتُ من المشي والبحث عن الطّريق. هلاّ سمحت لي بالمكوث إلى جوارك، أستظلّ بظلّك وأستريح قليلاً ريثما ترعى معزتاي العشب الأخضر؟
- هناك أشجار كثيرة يمكنك الاستراحة في ظلّها"، قالت وهي تشير بأغصانها إلى الأشجار المتنوّعة حولهما. فأجابها قائلاً:
"- بحثتُ كثيراً ولم أجد أوفر من ظلّك ولا أندى من أغصانك ولا أطيب من رائحة أوراقك!
- حسناً أيّها الرّاعي، أذِنتُ لك!"، ردّت بعد تفكير.
تمدّد الرّاعي في ظلّها واسترخى حتّى غلبه النّوم، وصوت أنفاسه يصلها بوضوح كما دقّات قلبه المنتظمة. بعد ساعة، استيقظ وسمعته ينادي عليها مجدّداً:
"- يا شجرة الشّاون العظيمة! يا شجرة الشّاون العظيمة!
- ماذا تريد أيّها الرّاعي؟
- يا شجرة الشّاون العظيمة، اقترب المساء وأودّ العودة إلى الدّيار. هلاّ أذِنتِ لي بالصّعود أعلى أغصانك حتّى أستدلّ الطّريق؟
- حسناً أيّها الرّاعي، أذِنتُ لك!"، أجابت بعد تخمين، ثمّ مدّت له أغصانها وحملته حتّى صار في مستواها.
راقه المنظر وأدهشته الضّياء وأسكره الهواء، فاستعاد قوّته ونشاطه وخاطبها مزهواً:
"يا شجرة الشّاون العظيمة، والله لولا المعزتان في عهدتي، ما فارقتك!... سأرافقهما حتّى أُبلِغهما حظيرةً آمنة، ثمّ أعود إليك".
فجأة، هبّت ريح قويّة، فسقط الرّاعي أرضاً. نظرت إلى حيث هوى، فوجدته قد اختفى!... احتارت في أمره وأخذت تتساءل: "تُراه يعود؟!".
من روايتي "حديقة القلب" - نعيمة السي أعراب
لوحة "أحلام باسقة" للفنان المغربي نور الدين برحمة (Noureddine Berrahma)

الثّرثارة

نعيمة السي أعراب

********
الثّرثارة
-------
جسمها مُكتنِز. عيناها الواسعتان ترصدان كلّ تحرّك، ولسانها مستعدّ للخروج والإدلاء بدلوه في كلّ حين.
مرحة وكثيرة المزاح. تملأ البيت بهجة وفرحاً، وضحكاتها تعلو في كلّ الأرجاء. تهوى خياطة الملابس للدّمى وكلّ الإكسسوارات المتعلّقة بها. تعشق الرّقص، ولطالما ركضت وهي طفلة خلف مواكب الأعراس، ترقص معهم وتشاركهم الفرحة.
خدومة لا تتوانى عن المساعدة لإخراجك من ورطة، ما لم تكن هي من أوصلتك إليها.
ودودة واجتماعية. تبادر بالحديث وتشجيع مخاطبها على البوح بما يطوي من أسرار، لا تلبث ان تشاركها مع آخرين بكلّ كرم وسخاء.
تعرف كلّ صغيرة وكبيرة عن أهل البيت، كما لا تخفى عنها أخبار سكّان الحيّ كلّ واحد باسمه وسجلّه الحافل، بيانات تختزنها في بنك معلوماتها، تستعملها متى لزم الأمر لتنبيه غافل أو لطرد الملل في جلسة للدّردشة. ولَكَمْ تنزعج إن تفوّق عليها أحدهم في الثّرثرة وأخذ منها أضواء الأمسية.
بارعة في تقليد ضحاياها والسّخرية من شخصيتهم بعد تحليلها وسبر أغوارها، مع ما يليق من الإضافة والتّضخيم الضّروريّين للإخراج المسرحيّ. تحكي لك حدثاً، فتقنعك بروايتها مع أنّك حضرته وشهدت غير ما سردت عليك، فتصدّقها وتكذّب عينيك.
كبُرتْ، فأصبحتْ فتاة بالغة الحذاقة. في غياب الأمّ، تتولّى مسؤولية البيت وتهتمّ بشؤون إخوتها بكلّ إخلاص وتفان. تجيد الطّبخ وتحضير الحلويات والفطائر، والجميع ينتظر تذوّق وصفاتها في الأعياد والمناسبات.
لا زلت أذكر أوّل مرّة أرادت تحضير الخبز وهي تلميذة بالصّفّ الرّابع ابتدائي... تضع الطّحين في القصعة، تضيف الماء وبعض الملح والخميرة، فلا ينضبط العجين. تزيحه جانباً وتبدأ الخلطة من جديد، حتّى استنفذت كلّ الدّقيق المتوفّر في البيت. نالت علقة ساخنة على إثرها، لم تكن أوّل ولا آخر علقة تظفر بها. لعلّها حظيت بأوفر حظّ من العقوبات من بين إخوتها، لكنّ ذلك لم يثنها عن المضيّ قدماً نحو المزيد من المغامرات.
من فيض الحكاية - نعيمة السي أعراب
جريدة سيروان (العراقية) - العدد 25 الأربعاء 14 نونبر 2018 (رئيس التحرير: Hakem Chalak)
لوحة "رنين المدائن" للفنانة المغربية حفيظة مسلك (Hafida Rofayda)

الشّريرة الصّغيرة

نعيمة السي أعراب
*******
الشّريرة الصّغيرة
----------------
نحيفة الجسم وملامحها دقيقة، عيناها متّقدتان وترسلان الشّرر في كلّ صوب، تشبه رسوم المانغا اليابانية بجفون طيّاتها مزدوجة. تصرّ على شدّ حزام فستانها حتّى يضيق لأقصى حدّ، فأعجب كيف يمكنها التّنفسّ وثوبها يلتفّ حول خصرها ويطبق على معدتها دون هوادة.
تتحرّك بخفّة ونشاط، تحبّ النّظافة والنّظام وأغراضها دائما مرتّبة، حتّى فراشها، لا تنام إلاّ وقد سطّرت غطاءها تسطيراً، مستطيل أضلاعه المتقابلة تامّة التّساوي والتّوازي، وحواشيه مستقيمة ولا تجد عليها تموّجاً شارداً.
لا أذكر كيف أغضبتها يوماً، فانتقمت مني شّر انتقام...
عُدتُ من الثّانوية لأجد مذكّرتي الجميلة ممزّقة بشكل همجيّ؛ كلّ صفحة تمّ العبث بها والخربشة عليها بقلم حبر جافّ حتّى انشرمت، بعدما شُوّهت الصّور الملصقة عليها.
مذكّرتي الحبيبة التي جمعت فيها صوراً نادرة لنجوم من عصر هوليود الذّهبي، عشقتهم وما فتئت أقتفي أخبارهم في المجلات القديمة عند باعة الكتب المستعملة. أسرتني طلّتهم السّاحرة وابتسامتهم المضيئة وتسريحة شعرهم الجذّابة. كلّ نجم بطابع خاصّ يميّزه عن غيره. نساء ورجال بارعو الجمال والفتنة والسّحر مع الرّوعة في الأداء السّينمائي. توفّرت لديّ مجموعة كبيرة من الصّور والأخبار عنهم وقد بدأت في كَنزِها منذ فترة الإعدادي، حيث منّ الله عليّ بصديقة مولعة بالفنّ والسّينما مثلي، لطالما سردت لي قصص أفلام رائعة شاهدتها في منزل أخيها الملحّن والمنتج المرموق.
إحساس رهيب وأنا أرى وجوه نجومي المحبّبة مشوّهة بتلك الطّريقة الوحشيّة، وأوراق مذكّرتي الغالية ممزّقة ومتناثرة على الأرض شاهدةً على مجزرة حقيقيّة ... أيّ قلب حاقد لا يعرف الرّحمة استطاع فعل ذلك بي وبها؟
من فيض الحكاية - نعيمة السي أعراب
جريدة آخر ساعة - العدد 854 الاثنين 12 نونبر 2018
لوحة "طفل من رصيف المعنى" للفنان المغربي نور الدين برحمة

الأحد، 2 ديسمبر 2018

مقارنة .

********************مقارنة ...****************
المدينة التي يزورها اليوم لم تعد سوى صورة من صور الماضي الجميلة التي تحتفظ بها ذاكرته...
كل ملامحها تغيرت في نظره واصبحت بمظاهر لا تطابق ذلك الوجه المشرق الذي التقتطه ذاكرته عن الامكنة التي كان يرتادها منذ اكثر من عقدين من السنوات ...
لم تسعفه ذاكرته في العثور على الفندق الذي كان يحط فيه الرحال ...يعبر الشارع الرئيسي للمدينة جيئة وذهابا محاولا استرجاع خريطة تقادمت في ذهنه بفعل مرور السنين ولم تعد صالحة كي تحدد تحركاته ورسم مساراته ...ارهقه البحث فما كان عليه الا الاسثغاتة باحد البائعين المحتلين للشارع الرئيسي للمدينة الذي دله على الفندق باشارة باصبعه فقط وذون ان يتكلم ...فالفندق كان قريبا جدا من مكان وقوفهما ...
يتجه نحو الفندق مهرولا تسبقه الذكريات ...
نفس المستخدم المكلف بالاستقبال ...وقذ حول الزمن تقاسيم وجهه الى اخاديد غائرة على بشرته ...يتامل جدران قاعة الاستقبال التي فقدت رونقها وذبلت الوان طلائها الذي يظهر ان صاحب الفندق ظل وفيا لها لتشهد على قدمها وتؤرخ لاول يوم فتح فيه الفندق...
يستلقي فوق نفس السرير بنفس الغرفة محاولا الانتشاء بلعبة التذكر ليحلق بعيدا عن تردي الحاضر ...
اطلالته من نافذة الغرفة المفتوحة على الشارع الرئيسي جعلته يعلم ان احتلال الباعة للشارع هو ما اخفى عنه المعالم التي تقوده الى الفندق وتحول ممراته الى سوق قروي وان ذاكرته بخير رغم مرور كل هذه السنوات ...
يخرج من الفندق ليتفقد الاماكن ويسترجع صور بعض الشخصيات التي تعامل معها كلما زار هذه المدينة الشاطئية اثناء عطلته السنوية ليصل الى نفس النتيجة ...ان المدينة التي في ذاكرته ليست هي التي يوجد فيها الان ...
********محمد بوعمران/مراكش***********