قصة قصيرة : - التماهي ( لوجيا )..
خرج الطفل ماجد من الرسوم المتحركة،واكتسب مقومات وجوده البشرية،ليبدأ رحلة حياة.وفي اليوم الأول من حياته،علمته المدرسة مهارة استعمال المقص.وذلك بالتدريب على قطع وريدات ورقية،بإتقان ودقة.ولمــّا كان ماجد ماهرا في القص،أثنت عليه المعلمة أحسن الثناء.عاد فرحا مزهوا،ونقل الخبر إلى أمه.فرحت به وهيأت له الطعام الذي يشتهيه:سلطة في المقدمة وقطعة دجاج محمر وتفاحة.أكل بشهية.وعندما وصل إلى التفاحة،تذكر رسمها الجميل على الورق الذي قصه،فحاول قصها كما فعل في القسم.لم يتوفق،فتذكر التفاحات الجميلة المرسومة على الألحفة في غرفة الضيوف بالبيت.فقام إليها وقصها بإتقان ودقة.ولما انتهى صاح بأعلى صوته إعجابا.نادى أمه التي كانت منشدة إلى نشرات الأخبار التي تذيع نبأً عاجلا.هالها ما فعله ماجد،فقررت معاقبته بسجنه في غرفة التلفاز بجانبها،وأخبرته أن هذه العقوبة ستستمر إلى نهاية الأسبوع.قضى الليلة يتابع الأخبار العاجلة والأخرى المعادة.إلى أن نام.
(الليلة الثانية من حياة ماجد):
نسي عقاب أمه له،ونسي القص بالمقص،واستلذ الإبحار في القنوات الفضائية.ورغبة من الأم بدافع الحنان على ابنها،انشغلت في المطبخ تهيء له الطعام الذي يشتهيه،لتجعل عقوبته ألطف.كانت شاشةالتلفاز تفيض بأخبار الدم.والقنوات الفضائية تتنافس بقتالية وحرفية مهنية عالية،لتحظى بالسبق،وتنفرد بالتميز،في حَبْكِ الأخبار وصناعتها،لشد المتلقي إليها.صوت وصورة ومراسلين من عين المكان.وكل قناة تبث الأخبار الدامية وتعيدها على مدار الساعة.وبين الإعادة والإعادة،استحضار لأحداث كانت في الماضي القريب،وأخرى في الماضي البعيد،مرفوقة بالتحاليل والتعاليق لأمهر المدبجين.فهذا مختص في السلاح،وذاك مختص في التكتيك الحربي،وآخرون مولعون بالأبحاث والدراسات الإستراتيجية..وبكثرة استحمام ماجد بالدم،صار يقلب كل قناة تقدم إشهارا انتقاليا لبضاعة،لينتقل إلى ربط الإتصال بأخبار الدم،كي لا يتشتت انتباهه بالوصلات الإشهارية.ومتى أفلح في ذلك كان يصفق،ويصيح بأعلى صوته:«وجدتها».ثم ينخرط في الضحك كالأبله.ولمــا أتته أمه بالأكل الذي يشتهيه،رأى الطماطم بلون الدم فأكلها بشهية.ونظر إلى المرق ،فبدا له الدجاج المحمر،كما لو كان يسبح في بركة دم،فأكل بشهية.ولماوصل إلى التفاحة،طلب من أمه تغييرها بأخرى حمراء،ففعلت،فأكلها بتريث ولذة.
(الليلة ما قبل الألف من حياة ماجد):
شاهد ماجد شريطا استثنائيا في مسيرة الدم الكبرى.ويتعلق الأمر بالذبح.بشر يذبح بشرا.فانشد بقوة أكبر إلى الحدث وتداعياته الإعلامية.كان الذبح بطريقة استعراضية هوليودية.فأكل طعامه المفضل بشهية استثنائية.ونام أيضا بطريقة متفردة،حملت أمه على تقطيع الإسترسال في نومها،لتطبطب على رأسه وصدره،كي يسافر به النوم على بساطه.
(الليلة الألف من حياة ماجد):
قرر العالم الإنخراط في هدنة لمدة ثلاثة أيام.وكان الشعار المؤطر لهذه الهدنة:«الأيام العالمية بدون دم».وعلى امتدادها تنافست القنوات التلفزية الفضائية،في توليف المشاهد البعيدة عن الدم.واستبدلتهابالطرب والرقص والكليبات المصورة في رحاب الجمال الطبيعي.توثر ماجد،وهو يبحر في القنوات مقلبا دون جدوى!ولـما أتته أمه بأكله المفضل،طلب منها إحضار شوكة وسكين.لبت طلبه.ترك الشوكة وحمل السكين.وباغتها فأحدث جرحا خفيفا على يدها.صاحت وراحت مهرولة تبحث عن ضماد.وحين عادت إليه،وجدته يأكل بشهية.لم تفهم.فقررت معاقبته بإخلاء غرفة التلفاز،وأغلقتها بمفتاح كي لا يدخلها في غيابها عنه إذا دعتها الضرورة لذلك.
(الليلة الألف وليلة من حياة ماجد):
لم تكن الأم،وكانت غرفة التلفاز موصدة.لكن أكله المفضل،كان ينتظره على مائدة الطعام بالمطبخ.عافه في البدء.وبعد أن استبد به ألم الجوع،حمل السكين وأحدث جرحا في يده،ثم شرع يأكل بشره..
ولما عادت أمه صرخت وولولت،وحملته إلى المستشفى على وجه السرعة.خاط الطبيب الجرح ولفّه بضماد.حكت الأم للطبيب ما حصل ،فأشار عليها بحمل ماجد إلى طبيب نفسي.
ولما عادت أمه صرخت وولولت،وحملته إلى المستشفى على وجه السرعة.خاط الطبيب الجرح ولفّه بضماد.حكت الأم للطبيب ما حصل ،فأشار عليها بحمل ماجد إلى طبيب نفسي.
(اليوم الأخير من الهدنة العالمية):
حكت الأم للطبيب النفسي ،حيرتها في أمر ابنها ماجد.فقام بفحصه السلوكي ،كمعبر لفهم العالم الباطني للطفل.قدم له في البدء نوعين من الشوكولا:واحد غلافه أزرق،والثاني غلافه أحمر.وطلب من ماجد أن يختار،فاختار الشوكولا ذات الغلاف الأحمر.طلب منه إزالة الغلاف وأكل الشوكولا.وبما أن الشوكولا لونها بني،فإن ماجد رفض أكلها.غير الطبيب الشوكولا بأخرى لونها أحمر،فأخذها ماجد وهم بقضمها،لكنه تذكر التلفاز،فتوقف.أشعل الطبيب التلفاز المرتبط بشريط الفيديو،
وانطلق ملخص الليالي الدامية صوتا وصورة.لحظتها أكل ماجد الشوكولا الحمراء بلذة وانتشاء.
قال الطبيب للأم:
-ابنك يعاني من مرض التماهي(لوجيا).
قالت الأم سائلة:
-وما هو علاج هذا المرض؟!
قال الطبيب حاسما:
-العلاج يكون مجديا عندما يكون المرض في بدايته .
سألت الأم أملا في إيجاد حل:
-وكيف السبيل لأنقذ ابني؟!
قال الطبيب مذكرا الأم:
-اليوم آخر الأيام العالمية بدون دم .
صاحت الأم في وجه الطبيب:
-سأكسر التلفاز وأدمر كل الوسائل التي تعوضه.
قال الطبيب بهدوء:
-كان ذلك ممكنا قبل أن يصير المرض مزمنا.
سألت الأم متوسلة:
-وهل هناك طريق آخر لحل ؟!
قال الطبيب بوثوقية علمية:
-أن يعود ماجد إلى لعب دور البطولة في رسومه المتحركة.
وانطلق ملخص الليالي الدامية صوتا وصورة.لحظتها أكل ماجد الشوكولا الحمراء بلذة وانتشاء.
قال الطبيب للأم:
-ابنك يعاني من مرض التماهي(لوجيا).
قالت الأم سائلة:
-وما هو علاج هذا المرض؟!
قال الطبيب حاسما:
-العلاج يكون مجديا عندما يكون المرض في بدايته .
سألت الأم أملا في إيجاد حل:
-وكيف السبيل لأنقذ ابني؟!
قال الطبيب مذكرا الأم:
-اليوم آخر الأيام العالمية بدون دم .
صاحت الأم في وجه الطبيب:
-سأكسر التلفاز وأدمر كل الوسائل التي تعوضه.
قال الطبيب بهدوء:
-كان ذلك ممكنا قبل أن يصير المرض مزمنا.
سألت الأم متوسلة:
-وهل هناك طريق آخر لحل ؟!
قال الطبيب بوثوقية علمية:
-أن يعود ماجد إلى لعب دور البطولة في رسومه المتحركة.
محمد الجلايدي -القنيطرة - المغرب










