موسيقى

السبت، 17 مارس 2018

بيني وبينها بضع لحظات ..

Mohamed Jlaidi
***** 


قصة قصيرة :
بيني وبينها بضع لحظات ..
-١-
كان يا ما كان ، في حاضر العهد والأوان ، وفي الآتي من الأزمان ، أسرة تماهت بالإفتراض مع زرقة الإفتراض وسحر مراتب لونها ! وكان عدد أفراد الأسرة تلك ثلاثة ، يحرصهم حارس ، وخامسهم كلبهم . بَنَوْا منزلهم على أسس الفن المعماري الأصيل والجميل . إذاتأملْتَ تفاصيله تجد فيه أثر اليونان والرومان والأندلس وزخارف آل فرعون ! وعلى مرافقه توزعوا : كل واحد منهم له جناح خاص . يعيشون أفضل من 
عيش ملوك الغابر من الأزمان . لكل منهم بطاقة ائتمان ، ومكيف هواء وبرّاد ماء وطعام ، وحمام مُتَحَكّمٌ في مائه المنساب وفي درجة حرارته حسب أحوال الطقس المتقلبة ، وفراش محشو بريش النعام ، ومكتب فاخر بجانبه كرسي وثير . وعلى كل مكتب حاسوب من آخر صيحة ، إذا لمستَه ، بك يطير .. اسم الزوج ( عُقَيْل ) واسم الزوجة ( عُقَيْلة ) واسم ابنتهما ( عِقال ) . أما اسم الحارس ف ( معقول ) . وكلهم أصيبوا بالمس في العقل بالإدمان ، إلا كلبهم الذي اختار له الحارس ( معقول ) اسم ( عِقل ) . أخذهم الإبحار في خضم الأثير الأزرق ، فَنَسِي ( عُقَيْل ) زوجته ( عُقَيْلة ) ، ونسيا معا ابنتهما ( عِقال ) . ونسوا جميعا حارسهم ( معقول ) الذي نسي ، هو أيضا ، رفيقه الكلب ( عِقل ) . دارت بهم الأيام في جنح الظلام ، فتبدلت في إدراكهم سيولة الزمن المتصل وتقطعت ، لتصير الثانية فصلا ، والدقيقة عاما ، والساعة قرنا ، واليوم ألف عام وعام . ولولا عَقْلُ الكلب ( عِقلٍ ) لدام بهم الحال هكذا على الدوام . ومن كثرة الكلام الصادر عن الحواسيب ، أصيب الجميع بألم في الأذن انتهى بهم إلى ( صمم أُسَرِيٍّ رقمي ) ، يحتاج علاجه إلى أمد طويل ، وفق برنامج طبي عسير .
-٢-
قام الكلب ( عِقل ) يتفقد الطعام . ولمّــا لم يجد ، صـبر حتى هزُل ، فانـتفض ، وفَجّر غضبه ليـعُـم نباحُه أرجاء المكـان . ارتاب الجيران ، فأخـبروا السلطات ، التي هبت لنجدة أهل الدار قبل فوات الأوان . حـملوا أهـل الدارإلـى مصحة لعلاج الإدمان . وحملوا الكلب الأمين ( عِقلا ) إلى دار الأيتام . ولأنني من قبيلة ( بني عُقَيْل ) حملتني نخوة الإنتماء إلى العرق والدم ، على عيادتهم ، وتتبع أطوار علاجهم بانتظام . وكنت خلال كل زيارة أراجع الطبيب المختص في الإدمان ، وهو في الآن نفسه ، مسؤول عن الإدارة الطبية لمصحته ، التي تتسع كل يوم ، كي تستوعب المرضى الآتين إليها من كل حدب وصوب ! استمر علاجهم الإستعجالي طوال شهر ، فاسترد كل منهم بعض ملامح المكان ، والقليل من ربـط السـاعة بـرمزية سيـولة الوقت ، لكن دون التوصل إلى تركيبٍ محكمٍ للزمان في المكان . كما شرعت ذاكرة كل واحد منهم ، في التحرك ، لملاحقة الدق في القلب لكن ليس كما كان . فما بقي من أوهام وأحلام ، صاغه العقل الممسوس في مقولات اتهام : ( عُقَيْلة ) تتهم ( عُقَيْلا ) بالتخلي عنها والتفكير في زوجة أخرى . ( عِقال ) ترسم في مخيلتها عريسها الذي ضاع منها وتتهم أبويها فيما تعيشه من حرقات النوى الآن . و( معقول ) فارس أحلامها لا يفكر إلا في الطعام له ، ولملامح كلب لا يتذكر أن اسمه ( عِقل ) ، وهو الذي سماه يوم ولد ويوم كبر ، حتى صار كلبا ذَا شان !!
-٣-
قرر الطبيب الشروع في الشوط الثاني من الرعاية الصحية ، على أن تكون في فضاء طبيعي يشكل امتدادا لمصحته . عناصر الفضاء : كـوخ من الطين والقـش والقصـب. بئر ماء ودلو . وأرض بور . وحمار ومحراث خشبي . أسند ل ( عُقَيـلٍ ) وهو مهندس زراعي ، مهمة فلاح . وأسند ل ( عُقَيْلة ) وهي مديرة مقاولة ، مهمة تدبير شؤون الكوخ . فيما أسند ل( عِقال ) مهمتين : جلب الماء من البئر، وإطعام ( معقول ) المكلف برعي الغنم . أما مواجهة ( الصمم الأُسَري الرقمي ) فقد خط له الطبيب برنامجا بعديا ، انطلاقا من حصيلة الفيدباك المرتبط بهذه المرحلة العلاجية الوسيطية ، و في انتظار تخطيهم لآخر وصلة حواريـة علـقت تفاصيلها الغامضة في عتـمـات ذاكرتهم المشـتركـة . والتي بفرط تـكرارها صيروها كالـوصلة الإشـهاريـة التلفزية :
-٤-
أمُرُّ كل صباح على ( عُقَيل ) يحرث الأرض البور بالمحراث الخشبي يجره حماره الأعرج ، فأقول له بأعلى صوتي :
-أعانك الله يا( عُقيْل ) .
يتوقف عن الحرث ، يُخرج منديلا من جيبه ، يمسح العرق المتصبب على جبينه ، ثم يكشر ويرد على قولي بغضب :
-رغم أن حماري أعرج ، فإنه صبور وقوي ومثابر .
يعود عند الزوال لأكل لقمة ، فيقول لزوجته ( عُقَيْلة ) بحنق :
-إبن عمومتنا يعيرني ويقول لي بأن حماري أعرج !
تجيبه (عُقَيْلة ) وعلامات الحزن بادية على ملمحها ، بعد أن تمسك بيديها خصرها :
-إذا أردت الزواج بأخرى ، تزوج ، لم يعد الأمر يهمني .
تقف ( عِقال ) فتقول لها أمها (عُقَيْلة ) باكية :
-أبوك يريد الزواج بأخرى .
تجيب ( عِقال ) أمها عن قولها :
-إذا أردتما تزويجي فأنا اخترت إما ابن عمي أو الراعي .
ثم تحمل الأكل وتخرج وهي تتمايل في مشيتها ، وتلحق بالراعي . تسلمه قفة الأكل ، وتقول له بغنج أنثوي :
-والداي يريدان تزويجي بابن عمي ، وأنا أقول لهما لا أتزوج غير حبيبي الراعي .
يأخذ الراعي الأكل ، ويجيبها عن قولها :
-لم أقل لكم هذا الطعام قليل ، ولم أقل لكم هذا الطعام كثير ، فما جُدْتُم به علي آكله ، وأحمد الله .
-٥-
وحين هم الطفل في دواخلي بالضحك ، صرخ !! لأن شريط الرسوم المتحركة توقفتْ صورُه وتعطلتْ لغة الحاسوب أمامي . انتبهتُ بحثا عن السبب ، كان الصبيب قدانقطع . لحظتها أدركت بأني كهل صغير السن . ولم يبق بيني وبين مصحة الإدمان سوى بضع خطوات أو بضع لحظات (!!!)
محمد الجلايدي - القنيطرة - المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق