كان الجو مضطربا جدا بل ومشحونا،خصوصا وان هذا الرجل لا يخجل من ان يرغي ويزبد دون مناسبة تذكر،ماسبق لي وان رأيت مثله،كان بمجرد ما أن يذكر اسم واحدة من الوافدات الجديدات،حتى يتلفظ باية نابية،او يمرر عبارات ساخرة،او يوجه كلاما مباشرا وهو يتهكم باستمرار حاملا نظاراته الطبية في يده تارة،او واضعا اياها على عينيه الجاحظتين،او على جبينه العريضة المليئة ندوبا وخدوشاتارة اخرى...كنت احس باختناق شديد جراء مرضي اللعين الذي يلازمني،والذي اججته في تلك الاونةتلك السجائر التي كان يدخنها الواحدة تلو الاخرى دون ان يخجل من نفسه،ودون مراعاة للحضور من الاساتذة والاستاذات ،كان يدخن باستعلاء مع ان سيجارته كانت من النوع الردي البخس،والذي تتقزز منه الانفاس بفعل تلك الرائحة النتنة الصدئة...كنا نجلس،نحن الملتحقات الجديدات،وبطلب منه في المقاعد الامامية،بادر بالتحدث الى شهد،دون مقدمات ودون حتى ان ينادي عليها باسمها:-انت...هناك،يا من تنحدرين من العاصمة الاقتصادية حيث تعودت الانفتاح والتحرر اكثر من اللازم...هنا ستباشرين حياة اخرى،ستتعودين الخشونة وشظف العيش،وممنوع ان تتغيبي ولو لنصف ساعة دون مبرر قانوني.
ضحكت شهد،وكانت على قدر عال من الجمال،في القاعة سمع دوي صخب،اصوات ترتفع حينا وتنخفض اخر ،كلمات مبهمة...ربما هي مقدمات لمشروع احتجاجي لازال لم يكتب له ان ير النور بعد...
نادى على وافدة ،كانت قدمت لنا نفسها على انها تنحدر من منطقة جبلية ناحية الشمال،كانت ترتدي زيا محافظا انيقا،هو اشبه بلباس المحجبات،استغل هذا المعطى،على ما يبدو،لياخذ في الحديث عن ازليات الحجاب،والمحجبات دون هوادة،مركزا وبكل ثقة عالية بالنفس علىالتصرفات اللاخلاقية لبعض هؤلاء...احمر وجه رحيمو بشكل ملفت للنظر،ارتبكت نظراتها البريئة،لتستقر بعد عدة جولات اسفل على يديها حيث لا تكف ابهاماهاعن الدوران في شبه حركة دائرية لا ارادية...،ولم تنبس ببنت شفة...كنت اجلس بجانب رحيمو،كنت ارتعش من كثرة الانفعال،وكان العرق ينساب من نهايات شعري الى اسفل ظهري،كنت متوترة الى حد كبير،من جهة بسبب التعب،وبسبب انني على امتداد سفري الطويل لم يغمض لي جفن،كنت استمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة الساحرة،وانا اطل من تلك النافذة التي كتبت عليها عبارة"نافذة الاغاثة"،كانت ليلة مقمرة بهية قاتلة،جعلتني انسى رغبتي الملحة في النوم وحاجتي الاكيدة للراحة،كنت استمتع بذلك الرونق الطبيعي الاخاذ،وبتلك الدلائل البارزة في العظمة الربانية؛جبال سامقات مختلفة الالوان والاشكال،هضاب متتاليات متساوية الحجم والابعاد،وديان هنا وهناك تتلألأ اسطحها بفعل تلك الاضواء السماوية الرهيبة،وتحت ضوء القمر...واحات عجيبةيتزاحم نخلهافي عنفوان وشمم وهو يرحب بسعفه الصحراوي،ثابتا صامدا،فيأخذك دو ان يستشيرك الى عالم ميتافيزيقي لا شك ان داخله مولود والخارج منه مفقود...كثبان رملية منقوشة بعناية ومهارة كبيرتين،تهتف وهي مرتبة على ذلك البساط الغريب المعجز الذي لن تكون مادته الخام سوى حبيبات رمل دقيقة...وددت في تلك اللحظة لو كنت اميرة،تخيلت نفسي ارتدي فستانا ابيض منمقا بورود من الذهب الخالص والماس،كنت اجر اذيال فستاني قبل ان اركب تلك القاطرة الصغيرة حيث يرافقني موكب كبير من الخدم والحراس واجمل الوصيفات،كانت العربة تسير بسرعة البرق،خشية ان يعترض طريقنا بعض اللصوص او شرذمة من قطاع الطرق،لكننا وصلنا القصر السري وهو قصر العجائب في لمح البصر...كنت احلم وعيناي مشرعتان على مصراعيهما،لكن البهاء الخارجي وسحر القمر،جعلني أحلم وأحلم... ،كنت متوترة،من جهة اخرى،لانني لم اشرب قهوتي الصباحية،التي هي مفتاح حيويتي نشاطي وقوة تركيزي ايضا...من عادتي،انني أتحمل كثيرا،لكني لن أقبل بالمهانة او التحقير مهما كان...لحسن حظي،لم يقصدني باي خطاب،لكنه عمد الى توجيه الكلام لمجاورتي يسارا،وكانت تنحدر من احدى مدن الاطلس،تحدثا بالامازيغية لما يزيد عن ساعة تقريبا،دون اكترات بالحضور ودون انتباه لعامل الزمن ...لم افقه شيئا على غرار معظم الحضور،لكن تثريت كانت تبتسم من حين لاخر وان كانت علامات الذهول ترتسم عل محياها...استاذنت بالخروج،غادرت القاعة لانني كدت أن أختنق،ولم أتحمل تلك الطريقة التي كان يسير بها الاجتماع،استعملت بخاخي،اخذت جرعة هواء،عدت بسرعة،لكني لم ارجع الى مكاني الاول،قصدت الأماكن الخلفية حيث يجلس قدماء الاساتذة،تعمدت ان اجلس جوار احدهم وكنت قد حدثته قبل بداية الاجتماع،كنت اريد التحدث اليه ثانية ،لكني لم اجد الفرصة لذلك..
ولازال يواصل سخريته وتهكمه؛ما ان ادرك ان عائشة تنحدر من منطقة الشاوية،حتى قال:-كيف حال بقراتكم وعجولكم هناك؟هل هم بخير،اكيد انك احضرت معك بعض السمن والكثير من البيض ووو... وبدورها عائشة قدمت له برسيما دون ان تنتفض في وجهه او تحد من اسئلته الساخرة،اجابت بان الكل بخير وعلى مايرام، وبانها تحمل ضمن امتعتها قطاني وفواكه جافةووو حتى ارتفعت ضحكات الحضور لوقت ليس باليسير،لم يخاطب احدى الاستاذات التي كانت تنحدر من المنطقة الشرقية،وكانت تجلس في اقصى اليسار،استرسل في كلامه وتعليقاته التي لم يكن لها اي معنى،وبالكاد بالكاد،وصل الى مرحلة توزيع المناصب،وهي اهم محاور الاجتماع،والتي من المفروض ان يتم توزيعها اما بالتراضي او بالاحتكام الى القرعة مادمنا قد عينا في نفس التاريخ،وكلنا خريجات في نفس السنة ولدينا نفس المواصفات.بسرعة البرق،وزع المناصب على المركزية والوحدات،لم اكن انا واحدى زميلاتي ضمن هؤلاء...،بعد وقت وجيز من ذلك رفع صوته مغتبطا:-صفاء عمري ودليلة شرف،ستاخذان المنصب الجديد،وهو يتطلب الحيوية والجراة التي تتميزان بها.....ان شاء الله تعالى سترافقان البدو الرحل!
ارتجال9بقلم:سكينة الشرقاوي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق