موسيقى

الجمعة، 9 مارس 2018

حلم الرحيل

Green Stophe
******
حلم الرحيل
شد الرحال على ظهره كالحمار، لم يساعده أحد على حمل تلك الحقيبة، التي لا زال يحتفظ بها منذ أيام الخدمة العسكرية الإجبارية، التي وضع فيها ما خف من أغطية وملابس وأشياء أخرى قد يحتاج لها، لقد بات عمره أربعون سنة ونيف، قضى جل أيامها في حلقات نقاش فارغة لقتل الوقت مع أبناء قريته المعزولة، لقد فكر بأن الإرث الذي قد يكون من نصيبه بعد وفاة والديه ولو بعد عمر طويل سوف يكون قليل، لا يشجع على البقاء وسط زرائب الورثة، وربما لن تزداد أموره مع إخوته إلا تعقيدا، وقد ينتهي الأمر به مع إخوته بما لا تحمد عقباه أثناء تقسيم الإرث.
لقد قال مع نفسه وهو يحاول المغادرة ولا أحد اعترض على رحيله:
- ينبغي أن أريهم من أنا وما الذي أساويه...
- لقد احتقروني اليوم، لكن إذا فتح الله علي في الغربة، سأجعلهم يندمون على عدم حزنهم على رحيلي، ولو بتوديعي وداعا كاذبا، وكأنهم يريدون التخلص مني بأي شكل.
نسي عبو الريح، أنه أصبح عالة على عائلته وإخوته، والمشكلة ليست في إطعامه، فالطعام أينما وضعت يد وضعت عشرة، إذا ما كانت هناك قناعة بالقليل كما يقال، بل المشكلة في بلاويه و حاجته للسجائر، التي يطلب من إخوته الذين يصغرونه سنا، بين الفينة والأخرى شراءها له.
المهم أن يحفزوه بأي وسيلة لإنقاد نفسه ولو بإظهار شيء من الكره له، فعيب أن يروه لا يحرك ساكنا، كل همه هو السهر مع رفاق السوء في عشة يلعبون تحت سقفها النرد و يشربون الخمر ويدخنون الكيف والحشيش، و يستمعون لبعض الأغاني الشعبية بعيدا عن الأعين.
تسلل دون إخبار أحد في الصباح الباكر، وامتطى أول حافلة ذاهبة للمدينة، لا يملك إلا ثمن تذكرة السفر وعنوان أحد أصدقائه القدامى، سيحل عنده ضيفا، ريتما يجد مكانا ملائما لحراسة السيارات وبيع السجائر بالتقسيط، فالجندي الذي تعود على النظام العسكري في السابق، لن يجد أسهل من هذه الحرفة، إنها على الأقل بداية لعمل شيء ما بحياته التي شاخ فيها بالكسل والاتكال على الغير، ريتما يجد من تقبل على الزواج به، من تلكن الفتيات البدويات أو المدينيات اللواتي تشتغلن بمعامل الخياطة، ويبني معها مستقبله حجرة، حجرة. المهم أن ينتقم لماضيه البئيس بأية وسيلة، ويعود بعدها هو وأولاده مرفوع الرأس في سيارة متواضعة، ليفاجأ جميع من نبدوه بأنه قادر على فعل المعجزات إذا توفرت له الظروف الملائمة لفعل ذلك.
استقيظ من نومه ، وجد نفسه وحده في عشة ورائحة الخمر لا زالت تفوح من فمه. وبعض قنينات الخمر الفارغة والأواني المتسخة حواليه،لعن نفسه، على الحالة التي أوصل نفسه لها، بإهماله لواجباته اتجاه نفسه ووالديه الفقراء، الذين لطالما تمنوا أن يكون ابنهم البكر قدوة لإخوته، ويعينهم على نوائب الدهر، ولكن يبدو أنه عنصر فاشل لا خير فيه، هكذا قال مع نفسه وهو يسخط على وضعه، وقرر أخيرا الرحيل.
بقلمي
المصطفى لخضر
مساء يوم الخميس 08 مارس 2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق