موسيقى

السبت، 17 مارس 2018

وطن منسي

قصة قصيرة بقلم خيرة الساكت من تونس
√ وطن منسي √
اعتدلت مقدمة برنامج ( صباح الخير مارشال)
في جلستها و توجهت إلى الكاميرا بعد انتهاء الفترة الإعلانية . تحدثت بإسهاب و لغة دسمة عن التضحيات الجسام التي قدمها أبناء البلد للحصول على هذا الحدث التاريخي العظيم..
في كل ذكرى للإستقلال يحتفل التلفزيون الحكومي المارشالي و يبث مدحا للزعماء و الحكومة ليلا نهارا و طبعا دون نسيان تقديم التحية للأصدقاء الذين ساعدونا في تحقيق النصر ، الأصدقاء الذين التهموا أجسادنا ثم أعادوها على شكل لحوم مهدرجة لا تصلح للحياة..
ابتسمت المقدمة بتصنع مبالغ فيه لتبلغنا مقدار السعادة بهذا اليوم ...
بدأت باستقبال المكالمات المهنئة للحكومة و للشعب الذي لم يبق منه سوى أذناب ألهاها التفكير في لقمة العيش عن الشعور بالإعاقة التي أصيب بها الوطن في زمن قريب..
جميع المتدخلين عبر الهاتف يتملقون ..يشكرون التلفزيون الذي منحهم هذه الفرصة للإحتفال..
استقبلت المقدمة إحدى المكالمات من حي دي رونا بماجورو عاصمتنا الحزينة التي تحتفل..
-" ألو! أهلا بك من معنا ؟ "
- " يععععع ! يا بشعة ! يا بدينة ! هههههه
قولي لي أين ذهبت إيلوجيلاب ؟ "
قطع الفنيون الخط بعد الإحراج الذي سببته المكالمة للمذيعة ..بث التلفزيون فقرة إعلانية
ليواصل بعد ذلك استعراض الاحتفالات دون اكتراث لتلميحات المتدخل ...
********* **********
دي رونا حي فقير من أحياء العاصمة ، تكثر فيه المشاكل و السرقات ..اعتادت العائلات على التقشف و شظف العيش بسبب الظروف الصعبة كما اعتدنا ذلك منذ نعومة الأظافر...
يجوب الشوارع كابوا المخبول ...لا أدري ما سبب جنونه ...أحدهم يقول بأنه تلقى ضربة قوية على رأسه من زوجته أفقدته عقله ..و في روايات أخرى شارك كابوا في تجارب الأصدقاء فتعرض إلى الإشعاعات و أصيب بإعاقة ذهنية...
كنا أطفالا و لم يسترع انتباهنا سوى سؤاله الدائم عن إيلوجيلاب و حزنه الكبير لفقدانها..
نلعب و نلهو بين البيوت القصديرية خلف حينا
نلف حبة جوز هند بخرق قديمة و نتقاذفها بأرجلنا و أيدينا و رؤوسنا لتصبح كرة للجسد بأكمله...
أطل كابوا من بين قطع الصفيح ، أخرج لسانه هازئا " من يريد شراء فطر إيلوجيلاب ؟
حبة فطر كبيرة تكفي كل شعوب المحيط الهادي ...ههههه سرقوها ، قتلوها ، أغرقوها ..
قنبلة كبيرة ههه بمممم ..المرجان الجميل في قعر البحر ههه و الأوغاد يدفعون النزر القليل..
يهدوننا حبة فطر كبيرة سوداء قاتمة ههه "
كعادته يهذي كابوا و يتحدث عن إيلوجيلاب
الحبيبة المنسية من معظم المارشاليين...
************ *************
في صباح يوم من أيام وطننا المنسي، جابت
سيارات الشرطة حينا البائس و اقتحمت بيوتنا بكل وقاحة . اعتقلت مجموعة من السكان و ألقت القبض على كل من حاول الاعتراض أو معرفة السبب..
تعرض جميع الموقوفين للإهانة و التعنيف دون ذنب . ..صرخ فيهم الضابط " من منكم حاول المساس بسيادة الوطن و التطاول على الحكومة في ذكرى الاستقلال المجيدة ..
الاتصال كان من حيكم ...سحقا لكم ! سأجعلكم تتعفنون في السجن يا جرذان !"
تبادل الجميع النظرات ببلاهة لعدم فهمهم سبب اعتقالهم و التهمة الموجهة إليهم..
زادت وطأة الضغط و التعنيف على الموقوفين.
تكلمت إحدى السيدات بصوت تخنقه العبرات
" أنا..أنا اتصلت بالتلفزيون يوم عيد الاستقلال،
طلبوا مني إقفال الخط ووعدوني أنهم سيتصلون بي لاحقا للتدخل و المعايدة كجميع المتدخلين ...
دخلت المطبخ و عند اتصالهم غافلني زوجي
و تكلم بطريقة غير لائقة ...
أرجوكم اغفروا لي و له فهو مخبول لا يدري مايفعل و ما يقول ! ..أنا لم أقصد إهانة أحد .."
عاد الموقوفون إلى منازلهم إلى جوعهم إلى فقرهم بينما جرت زوجة كابوا أذيال الخيبة وراءها و يئست من خروجها من مستنقع دي رونا بمشاكله و علاته...لم تستطع أن تجد سبيلا لتسليط الضوء على مشكلة زوجها أو المطالبة بتعويض جراء ما أصابه من إعاقة ذهنية دائمة بسبب تجارب الأصدقاء أو بالأحرى الأوغاد كما يسميهم زوجها الذي لم يبق منه سوى الجنون و الهذيان عن ما حدث في حقبة غير بعيدة ...
********* *******
عاد الهدوء إلى حينا و استأنف الجميع ركضهم وراء الفقر و صراعهم الأزلي مع الجوع...
اختفى كابوا ولم يظهر منذ واقعة إيقاف زوجته
..أشاعت زوجته في الحي أنه امتطى قاربا خشبيا و أبحر لوجهة غير معلومة للبحث عن ايلوجيلاب ظنا منها أنها ستتخلص من مرضه و ذكراه لتبدأ حياة جديدة..
ولكنها لا تدرك أن وطننا يلتحف بستائر الماضي الأليم و يتغذى على الفطرالعملاق الأسود...
جلنا إما مخبولون أو مشوهون ...
حتى العائدين حديثا يصابون بأمراض غريبة.
ليست بغريبة بل هي هدية الأصدقاء الذين لازالوا جاثمين على صدورنا ...
هناك في ركن غير بعيد اتخذوا مكانا دائما...
يقولون أننا تحصلنا على الاستقلال لا بل نحن وثقنا الاستغلال فصار قرارا دوليا...
لا أحد يهتم لمصير الوطن ...أبناؤه يعانون الأمراض و الأجانب لا فكرة لديهم عن وجودنا..
أما الأصدقاء فهم مصاصو دماء فقد جعلوا منا مختبرا لأسلحتهم الفتاكة..نهبوا كل شئ حتى الهواء النقي لوثوه و لم يتركوا لنا سوى السموم تنتشر في كل مكان...
ثم بعد ذلك يلقون لنا النزر القليل كمساعدة و ينتظرون منا الشكر و الثناء..
******* *********
مرت السنة كمثيلاتها من السنوات العجاف
تحملنا فقرها و مرضها و جوعها الذين ابتلينا بهم و اعتدنا التعايش معهم ...
عادت تلك الذكرى الركيكة و عاد التلفزيون للاحتفالات السمجة...
مع اختلاف طفيف في هذه المرة إذ عمد بعض السفهاء لتزيين الشوارع و تعليق صور المناضلين و صور الأصدقاء الذين وهبونا صك الاستقلال ...فصارت كل البلاد تحتفل تلفزيونا عديم النفع و شعبا بائسا يتعايش مع المرض..
تجمعت الجماهير في الشوارع ترقبهم أعين الشرطة باهتمام ...
اندس بينهم أحدهم ..مزق صور المناضلين و رسم سحابة الفطر الأسود على كل صور الأصدقاء...
تسلق أعمدة الكهرباء حتى ينزل الأعلام و الصور الاحتفالية...
انتبه الناس له فحاولوا منعه . كثر اللغط و بدأت الفوضى تعم المكان..
تدخلت الشرطة ، أنزلت المندس ، و قامت بضربه و ركله في كامل أنحاء جسده..
أمسك الشرطي المندس من ثيابه الرثة و بصق في وجهه..
" نحن بانتظارك أيها اللعين ! "
رفع صوته عاليا " انظروا ! هذا هو كابوا الخائن !
مصير كل من يجرؤ على تهديد أمن البلاد و إفساد علاقتها مع أصدقائها سيكون مشابها لمصير هذا الكلب ! "
جرت الشرطة كابوا على الطريق أمام كل الجماهير المندهشة مما يحدث و العاجزة عن فهم مبرر الذنب الذي اقترفه ...
لاحت ابتسامة رقيقة على محيا كابوا و قد سال الدم من أنفه و وجهه ...تمزقت ثيابه أثناء جره...فتح عينيه بصعوبة .. صوب نظره نحو الأطفال...
قال و الأمل يغمر صوته المبحوح
" اصنعوا لها تمثالا و ضعوه وسط ساحة المدينة لكي لا ينساها أحد ، عن ايلوجيلاب الفقيدة أتحدث ! ! "
واصلت الشرطة جره تاركة آثار دمه وراءه خطا متواصلا لا ينتهي لمأساة لا تسقط من ذاكرة التاريخ....
############ تمت ##############

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق