موسيقى

الثلاثاء، 27 مارس 2018

« متعب الهذال » ..

قصة قصيرة :
- « متعب الهذال » ..
حين كان الصباح داميا في نشرات الأخبار، خرج « متعب الهذال » من خماسية
« مدن الملح» ، وبالضبط من الجزء الذي عنوانه «التيه »، فأُلقي عليه القبض . وبعد فترة التحقيق غير المقيدة بزمن محدد ، أخلي سبيله . التقيته بشاطئ البحر ، ممددا على رمال الشاطئ ، وأفق الصحراء منتشر إلى حَدِّ البصر ما بين محيط وخليج . كان يعالج جلده المدبوغ وقد عمته الندوب . نعرف بَعضَنَا من أيام التجاور بأهرام الخماسية ؛ فحدثني ، وقال :
بغرفة أُحْكِم إغلاقها ، وجدتني أئِنُّ من ألم في الضلوع لصلابة الأرض . لم أدر كيف حصل ذلك . ولم أدر كم من الوقت مَرّ علي وأنا في هذا الوضع . سمعت طقطقات كعبيْ حذاء نسائي ، فصحت :
- لم أنا هنا ؟!
صوت نسائي :
- لأن بعض الظن من حسن الفِطَن .
قلت :
- ما أعرفه أن بعض الظن إثم ؟!
الصوت نفسه :
- كان ذلك في سالف العهد والأوان .
قلت :
- لم أرتكب فعلا من شأنه أن يُحدث إخلالا بالنظام العام للعالم ؟!
الصوت نفسه :
- كان ذلك في قريب الأزمان .
قلت :
- والآن ؟!
الصوت نفسه :
- نستبق الفعل قبل حصوله ، لضبطه متلبسا في الدماغ .
قلت :
- لم أفهم ؟!
الصوت نفسه :
- نحن نفهم .
صوت رجالي هذه المرة :
- إسمك الكامل ؟
أجبت :
-محمد بن مسلمة .
صوت رجالي آخر :
- تضحك علينا ؟
قلت :
- لا أبدا، وأنا الذي قتل كعبا بن الأشرف .
الصوت الرجالي الأول :
- ومن هو كعب بن الأشرف هذا ؟!
أجبت :
- من طَيِّء نسبة للأم ومن بني النضير نسبة للأم .
الصوت نفسه :
- ولماذا قتلته ؟!
أجبت :
- لأنه حرض قريش على الثأر لقتلاها في معركة بدر .
صوت رجالي آخر :
- آه ، فهمت ، اضربوا ابن الكلب .
(…)
اختلط علي حابل « الأمن الإستباقي » بنابل« الأمن الإستباقي» فدخلت إلى دماغي لأنظفه قبل فوات الأوان ! ثم شرعت أردد « مزامير دَاوُدَ » على نفسي لأرفعها إلى سطح الوعي ، كي أتأكد قبل الضغط على زر المسح الرقمي :
(…)
لست لصا . فأنا لم أسرق من أهالي أرضي حواسهم الخمس . لم أسرق منهم حقهم في الضوء والماء والهواء . لم أسرق من عيونهم لون السماء . لم أسرق منهم ولعهم بالشعر والرقص والغناء . لم أسرق منهم ميزان الكيل ، لأردهم إلى زمن المقايضة . لم أسرق منهم عزة النفس ، لأترك لهم جمر الذل ولظى التبخيس . لم أسرق منهم الأمل الوردي ، وهم بين الوقفة السوية والسقطة ، لكي لا يبقى لهم إلا اليأس الأسود . لم أسرق منهم شهامتهم وشجاعتهم ، ليلتحفوا بالإنزواء والجبن . لم أسرق منهم روعة الإعتراف ، لأبعث فيهم التنكر والجحود . لم أسرق منهم نكران الذات ، لأذكي فيهم الأنانية المريضة . لم أسرق منهم الإندفاع في السخاء ، ليغمرهم البخل والشح . فهم للضوء والماء والهواء وجدوا . وللأزهار البرية وجدوا . وللشعر والرقص والغناء وجدوا . وللميزان وجدوا . وللأمل الوردي وجدوا . ولعزة النفس وجدوا . وللشهامة والشجاعة وجدوا . وفي نكران الذات وجدوا . وفي السخاء وجدوا . وأنا في وجودهم وجدت . لأن حليب أمي الأصيل تفوح منه رائحة التربة السمراء التي تبعث الخصب الأخضر من العدم ، وتبعث الواحة في رمال الصحراء . لذلك لم أعرف في حياتي قط مشاعر اللص ، وهو يقتنص هدفه في مستهدفيه .
-فلم أنا هنا ؟!
(…)
الصوت النسائي الأول :
- والآن ما اسمك الكامل ؟
أجبت بصوت يشبه الأنين :
- عبد الله بن عتيك .
الصوت نفسه:
- من ؟! ( برنة فيها غضب )
أجبت بصوت أوضح :
-عبد الله بن عتيك .
الصوت الرجالي الأول :
- أما زلت تسخر منا ؟!
قلت بعد صمت :
- لا والله، وأنا الذي تزعم الجماعة .
الصوت نفسه :
-أية جماعة ؟!
أجبت بصعوبة :
- الجماعة التي قتلت سلاّماً .
الصوت نفسه :
- ومن هو سلام هذا ؟!
قلت بصعوبة أكثر :
- واحد..واحد..من كبار المحرضين .
الصوت نفسه :
- على ماذا حرّض ؟!
قلت قبل أن أغيب :
- حرض قبيلة قريش .
سمعت ثم غبت :
- آه ،فهمت ،اضربوا هذا المجرم ابن المجرم،حتى الموت .
(…)
لست مجرما يسفك دماء الأبرياء . ولا يمكن أن أكون . لأني-منذ البدء-لا أمتلك قلبا عاشقا للدم . فأنا حينما كنت طفلا ، كنت أعدو خلف الفراشات في أزمنة الربيع ،لأحقق رغبتي الطفولية في الإمساك بفراشة ملونة ، كي أتأملها ثم أحررها دون أن أكدر صفو تناسق الألوان فيها . وبقدر ما أحرص على ذلك ، كنت أخاف أشدالخوف أن أقتلها بحركة طائشة غير محسوبة أمام حيرتها وهي تطير وتحط ، ثم تطير وتحط . ومتى وقع ذلك ، كنت أحزن حزنا عميقا ، فأعود إلى منزلنا مثقلا بالكآبة ومنهكا بالأسى ، لأنني ارتكبت إثما عظيما .
-فلم أنا هنا ؟!
(…)
سؤال بدا لي بسيطا ، خلال لحظاتي الأولى ، وإنا في تلك الغرفة الضيقة ، التي يبلغ طولها خطوتين ، وعرضها كذلك ، بمقاس خطوي . لكن سرعان ما شرع السؤال يكبر ، ليصير سؤالا وجوديا شامخا شموخ جبل في أعظم سلسلة جبلية على هذه الأرض ؛ ولأحمله على كتفي كي أضعه على قوس قزح !!!
(…)
الصوت النسائي :
- نعرف من أنت .
سألت :
- ومن أنا ؟!
الصوت نفسه :
- أنت «متعب الهذال».
الصوت نفسه يضيف :
- ونعرف من خلقك ومن سواك.ونعرف أنك في خماسية«مدن الملح»،رفضت وجود الأغراب وهم يحفرون في الصحراء ينقبون . وحرضت عليهم الأهالي، الذين لم يهتموا بتحريضك . فتُهْتَ في البيداء تحمل رفضك معك . وقلنا إننا انتهينا منك.
سألت:
- ولم أنا هنا إذن ؟!
الصوت الرجالي الثاني :
- نريد أن نعرف لماذا غادرت كتاب « التيه » في الخماسية، وعدت .
أجبت بصدق:
- عدت لأشهد على زمن جفاف النفط وذوبان « مدن الملح » .
ثم أضفت :
-لكن لم أنا هنا ؟!
(…)
قلت ل« متعب » :
- اعتقلوك لأن مجيئك صادف صباحا داميا في نشرات الأخبار !!!
محمد الجلايدي - القنيطرة - المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق