قصة :
- فطومة و « محكمة اللغة » ..
أصيبت فطومة بالهلع ، لمـا أخبرتها نساء الجوار بالدرب ، بأن وحيدها أمجد مصاب بالبكم !! فحملته على الفور إلى الطبيب المختص بمستشفى المدينة . فحص الطبيب الطفل ، وصاغ تقريره الطبي . وأحال فطومة على زميله المختص في معالجة التأخر النفسي - الحركي ، لأن أمجد سليمةٌ مكوناتُ جهازه الصوتي ، ولا مشكلةَ عضويةً لديه . انقلب الهلع في كيان فطومة إلى فرح ، ارتسمت ملامحه على أسارير وجهها الوضاء ، فاشتعل كالبدر في ليلة ليلاء !
(…)
أما طبيب التأخر النفسي - الحركي ، فقد عرض على مسمع أمجد مقطعا غنائيا لأم كلثوم . والمقطع من أخطر وأروع فلتة في الطرب العربي الأصيل ! أم كلثوم نفسُها لم تكرره في تاريخها الغنائي الطويل . كانت مدة المقطع تفوق تسع دقائق ، تردد فيه مركبا صوتيا من صائت طويل وصامت ساكن . وكل أداء لهذا المركب الصوتي لا يشبه غيره . جربت معه كل طبقاتها الصوتية وبكل التلاوين التي جادت بها عليها اللحظة الطربية تلك ! وعندما هيمن المقطع على غرفة الفحص ، شرع أمجد يدندن هو الآخر :
- ( آه-آه..) !
صفق الطبيب لأمجد ، ثم استدعى فطومة للفحص . استغربت ! فقلبت شفتيها القرمزيتين ، ورغم ذلك امتثلت !
(…)
سألها:
-ماذا تقولين لأمجد عندما تطلبين منه الجلوس ؟
أجابت فطومة :
-أقول له ( تيتّي ) !
-وماذا تقولين له عندما تطلبين منه النوم ؟
أجابت فطومة :
-أقول له ( نينّي ) !
وماذا يقول لك أمجد إذا جاع وأراد أن يأكل ؟
-يقول لي ( ميمّي ) !
(…)
وعلى الفور حرر طبيب التأخر محضره الطبي في النازلة . وطبقا لمهمته كخبيرٍ محلفٍ معترفٍ به لدى محاكم المدنية ، استدعى ( شرطة اللغة ) ، فحضرت على الفور . كبل ( رقيب اللغة ) فطومة من يديها، فيم أمسك مساعده أمجدَ من يده بلطف ، وطارا بهما إلى المخفر !
(…)
لم تفهم فطومة شيئا فسلّمتْ أمرها لله !! قرأ (ضابط اللغة ) المحضر الطبي ، وأعاد على فطومة أسئلة طبيب التأخر، فساقت له الأجوبة نفسَها ! فطومة لا تكذب . ولا تميل بطبعها إلى الإلتواء . ما تقتنع به تقوله . حالها على لسانها . هكذا تعاونت أمُّها وجدتها على تربيتها . وبعد تحرير المحضر وتذييله ب ( التهمة ) ، أُحيلتْ فطومة على السجن المدني ، في انتظارالمحاكمة .لم تفهم فطومة شيئا فأسلمت أمرها لله !
في السجن ، احتضنت وحيدها أمجد ، ونام معانقا دفء صدرها الحنون .أما( ضابط اللغة ) فقد سَرَّب الخبر لصحفي مسخر ، كي يحظى ببريق إعلامي ، ويتصدر وجهُه شاشات التلفاز، وأُولى الصفحات في الجرائد ، طمعاً في ترقية مهنية !
(…)
وبعد ساعات ، انطلق الهرج والمرج الإعلامي . دخل الخبر إلى كل بيت في البلد ، تحت عنوان مثير:
-أم ترتكب ( جريمة لغوية ) في حق ابنها فأصيب بإعاقة في اللسان .
صار الخبر حدثا استقطب اهتمام الناس ، فسارعت جمعيات( الحق في اللغة ) إلى تقديم نفسها إلى موقع المطالبة بالحق المدني ، ونصّبت ضد الأم فطومة أجود المحامين . أما جاراتها فقد قضين ليلة بيضاء ، وهن يسبحن في متاهات الظنون ! ولكي تسيطر الدولة على الوضع حتى لا ينفلت ويتحول إلى مظاهرات شعبية ، أمرت بتعجيل محاكمة فطومة . وحُدد لها صباح الغد ،وأُذيع الخبر في نشرات الأخبار الأخيرة ، ليلتها !
(…)
وفي قاعة المحكمة أخذتُ مكاني وسط الجمهور .
طلب شيخ القضاة من فطومة تحديد هويتها ، ففعلت . ثم تلا عليها التهمة المنسوبة إليها، ففهمت . أسلمت أمرها لله ، وهي تبحث جاهدة عن التوازن كي تتحكم في الوقوف بشكل مستقيم . أعطى شيخ القضاة الكلمة لممثل الحق العام ، فقال :
-هذه المرأة -سيدي القاضي-ارتكبت جريمة لاتغتفر ، في حق طفلها البريء براءة يوسف عليه السلام . فاستعملت عن عمد وسبق إصرار وترصد ، كومة من الألفاظ ، مشكلةً من أصوات طبيعية ، لكنها غير لغوية . وحفّظتها له ، فأبعدته عن لغة تداولنا اليومي بُعْدَ السماء عن الأرض . وها هوالآن لا يتكلم لغتنا، وقد تجاوز السن المحدد لممارسة التعبير عن أغراضه ومشاعره وآماله وأحلامه . لذلك أطلب من المحكمة الموقرة ، إصدار أقسى العقوبات في حقها ، كي تكون عبرة لكل من تُسَول له نفسه الإخلال بالنظام العام للغتَيْنا المحلية والقومية . ولمحكمتكم الموقرة واسع النظر .
بعد ممثل الحق العام ، انطلق المحامي المنصّب كمطالب بالحق المدني نيابة عن جمعيات ( الحق في اللغة ) فألقى خطبة ، كالتي ألقاها طارق بن زياد في جنده لحظة انطلاق الإجتياح للأندلس . وكان كل موكليه في القاعة يحركون رؤوسهم إعجابا !
(…)
قال القاضي لفطومة :
-هل تستعملين في مخاطبة أمجد ( تيتّي )بدل ( اجلس )؟
قالت فطومة :
-نعم سيدي القاضي .
-وماذا تستعملين بدل ( كُلْ ) ؟
-أستعمل ( ميمّي ).
-وبدل( نَمْ )؟
-( نينّي ) .
-ومن علمك هذا الإقتراض اللغوي ؟
-أمي وجدتي .
( ... )
تذكر شيخ القضاة أمه وجدته . ففهم بعد عمره المديد ، واتساع خبرته في الحياة ، وإلمامه الواسع بعلوم الأرض ، وبما درسه في البيان والتبيين ولسانيات العصر ؛ بأن رسوبه في القسم الأول ابتدائي، كان سببه هذا الإقتراض اللغوي في تنشئته . فأصدر حكما قلب المعادلة في الإعلام ، وظل حكمه مضرباً للأمثال في حقل الإجتهاد القضائي بالبلاد :
-حكمت المحكمة غيابيا على ( تيتّي وميمّي ونينّي ..) وأخواتها بالإعدام شنقا في( الساحة العمومية للغة ) ، وعلى ( الشرطة اللغوية ) البحث الفوري ، عن هذه الكائنات الصوتية ، لتنفيذ الحكم عليها هذا المساء . أما فيما نسب لفطومة فهي بريئة منه براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام . رُفعت الجلسة !
(…)
وفي المساء كانت فطومة في ( الساحة العمومية للغة ) وهي تحضن وحيدها أمجد بحنان ورفق . فجأة انفجر ابنها ضاحكا بعذوبة وهو يشير بسبابة يده إلى فِعل ( نام ) الذي اسيتيقظ ليتابع إعدام ( نينّي ) ، وفِعل ( جلس ) الذي قام يشرئب بعنقه ليرى شنق غريمه..فانفكت عقدة لسان أمجد !!!
محمد الجلايدي - القنيطرة - المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق