موسيقى

الأربعاء، 7 مارس 2018

- سمر على طريقة الغجر ..

Mohamed Jlaidi 
قصة :
- سمر على طريقة الغجر ..

قال لي صاحبي وهو يحاورني :
-ما الذي يشد الإنسان إلى الحياة ؟!
كنَّا على أهـبة الإنطـلاق من الإنـتشار الأخـضر بـفضاء الشاوية إلى الحصار الإسمنتي بالـبيـضاء . كـان الوقت غبشا . وكان ضبابُ مستهلِّ ذاك الصباح ، يغشى الرؤية . ولكي أفكر في الإجابة ، كــان علــي أن أرحل بفكري على بساط الريح ، من شِعاب التشخيص إلى قمةِ تجريدٍ ، تشبه في علوها قمة جبل ( مگارطو ) جنوب مدينة إبن أحمد .قلت في نفسي :
-لكل إنسان دواعيه الخاصة التي تـشده إلى الحياة . ومن المحـتـمل أن تــكون لــهذه الدواعــي المخــتلفة والخلافية ، قاعدة وجودية مشتركة .
تركني ( أبو سناء ) غارقا في دواخلي طيلة مسافة الرحلة . احترم صمتي . لأنه التقط بحسه المرهف ، أنني أفكر في السؤال بجدية ، وأنني وقعت في المصيدة . وهو المقتنع بالقول :
-السؤال مشنقة !
(…)
في البيضاء انشغـلنا . وبقي الحبل بالتواءته المحايدة ، كملمحٍ ثلجي منتصبا ! وأثـناء عودتنا ونحن نطوي المسافات ، سافر بِنَا الحديث إلى قضايا البلد ومتاهاتها التي لا تنتهي . ومع ذلك توقعت أن السؤال الذي طرحه ( أبوسناء ) صباحا سيكون موضوع سمرنا الليلي . فهو لاينسى أبداً ، لكـنه يمتـلك قـدرة قويـة على التناسي بوعي إرادي في انتظار السياق الذي يُوَهَّج التعاطي . وذلك ما حصل !
(…)
سوينا جلسة السمر كما يحلو لنا عندما نكون معا وحدنا : النار تلتهم الحطب ، وتنشر الدفء في أرجاء مجلسنا . ولمـّا اجتازت أم كلثوم المقدمـة الموسـيقـية لمطولتها ، ابـتسم ( أبوسناء ) ابتسامته الطفلية ، التي اعتادها عندما يكون مبتهجا ، وركز بصره في وجهي ثم قال جملته المعهودة حين يريد العودة إلى موضوع سابق :
-( الشاهدْ عندنا إيه ) ؟
ثم أضاف بصيغة استفهامية :
-طرحنا السؤال صباحا، عن سِر ارتباط الإنسان بالحياة ؟!
قلت :
-نعم .
قال :
-وإلى أين وصلتْ بك خلايا الدماغ ؟
قلت مباشرة وبتلقائية وبدون مقدمات :
-ينشد الإنسان إلى الحياة طالما يلتذ بحاجياته الضرورية للعيش ، تعلق الأمر بما هو فزيولوجي أو نفسي أو علائقي .
صاح ( أبو سناء ) صيحته المعهودة عندما يحصل التلاقي الفكري ، فيما فَكّر فيه ، مع من يُفكر معه :
-صحيح ، وغـدا سننزل بالسؤال من العام الإنساني ، إلينا، وسيكون كالآتي :
-ماهي العناصر التي تجعلك تلتذ وتشدك إلى هذه الحياة ؟
قالها وضحك حتى أدمعت عيناه !
أدركت لحظتها أني أمام سؤال- مشنقة جديد ! كادت أم كلثوم تختمُ مطولتها التنـظيرية : -( ودارت الأيـام )..وفـي انتظار ختمها الصدّاح ، هـيأت فراشي للنوم . ولمـا ختَمَتْ نِمْـت . لكن حـبل المشنقة بالتـواءته المحايـدة ، كملـمحٍ ثـلجيٍ بقي منتصبا ينتظر رأسي إلى ليلة السمر الموالية !
(…)
-( الشاهدْ عندنا إيه ) ؟
سألني ( أبو سناء ) ، ليردني من شجون الأحاديث ، إلى السؤال-المشنقة . ولأشاكسه قلت وكأني لا أتذكر:
-بخصوص إيه آبويا ؟!
ابتسم في وجهي ابتسامةً جمعت الرقة الطفلية والحنان الأبوي . ثم قال :
-طرحنا السؤال عن العناصر التي تجعلك تلتذ وتشدك إلى الحياة . فهل نسيت ؟!
قلت وأنا أمنع نفسي من الضحك كي لا أفسد المشاكسة لأمنحها طابع العذوبة :
-أتذكر السؤال ، وزمانه ومكانه . كنتُ جالسا هنا . وكـنتَ قبالتي هـنا . وكانت أم كلثوم تطربنا بمطولتها ( ودارت الأيام ) . وهاهي الآن تطربنا بمطولتها : (رباعيات الخيام ) . وسؤالك كان فرعـا اسخرجتَه من أصل . وقـد مضى على تفتقه في ذهنك المتقد عشرون ساعة بالتمام ..
أوقفني بإشـارة من يـده ، بعد أن فـهم مشاكستي لـه ، ثـم ضحك حتى أدمعـت عيناه . والدمـع لديه سخي ، ينهمر من عينيه مع كل انفلات وجداني ، سواء أكان باعثه أمرا مفرحا أم محزنا ! وتلك دلالة ، تنم عن علامة على وجدان دفـّاق بالمشاعر الإنسانية النبيلة ، التي تميز هذا الرجل ! وهي صفة جوهرية ملازمة لشخصه لا يعرفها الكثير من الناس الذين لا يرون فيه إلا الصلابة المرفوقة بالعناد .. قال وهو يكفكف دمعه ، ويحاول أن يوقف ضحكَه ، وضحكُـه يغالبه :
-ادخل إلى الموضوع ( آولد جبل مگارطو )، وادخل إليه ( ديريكَتْ ).
قلت قبل أن أبسط جوابي على السؤال المطروح :
-لقد نلتُ منك آبويا ؟
ضحكنا معا ، ثم شرعت في التعاطي مع الموضوع وسؤاله .
أذكر بأني عندما بدأت الحديث عما ألتذ به في هذه الحياة ، انساب مني الكلام كماء شلال ! وكنت عند كل محور حياتي ، أسوق العناصر باعتماد منهجية التـعبـير بالجزء عن الكـل .لأني أعـرف جـيدا ، أن ( أبـا سناء ) يمـتلك تـجربة خـصبة وعـميـقة ، تـمكنه من ربط العناصرالجزئية بسيـاقها من العناصر التي تستدعيها والتي لم تُذكَر ، مادام ذكرها تحصيل حاصل . وكان دوما يرمز إلى ذلك إذا كان محاوره يروم الإطناب ، بقوله :
-إذا ظهر المعنى فلا فائدة من التكرار .
(…)
ألوذ بالصمت إذا قدرت بأن جليسي لايمتلك حس السماع ، لأني أخاف على كلماتي أن تموت على شفتي . وأتـكلم بانسياب حـين ، وحـين فقط ، يجـمع سيـاق اللحظة التـواصلية بين الحميمية وروعة التـعاطي مع قضايا الحديث ، إذا كانت القضايا تلك ، تمتلك جماليتها التي تشدالتفكير وتسحره . وفي مثل هذاالسياق يصنع الصدق ألق التعاطي . لأن الصـدق يعلو دوما ولا يعلى عليه . وللصدق رائحة كرائحة جبل ( مگارطو ) بالشاوية ، عندما يأتيها مطر مفاجئ في عِزّ الصيف ، أو كرائحة البحر عندما يتنفس !
(…)
كنت أتكلم وأحرص أشد الحرص على أن يكتسب كلامي رائحة أرض أجدادي وهي تمتزج بعمق بحري . وكان ( أبوسناء ) ينصت بكل جوارحه . أعرف بتجربتنا العلائقية أنه إذا لم يرغب في السماع ، يُشتِّت انتباه المتكلم !
(…)
قلت:
-ألتذ بقهوتي الصباحية وبسجارتي الأولى .
-ألتذ بالأكلة المغربية الأصيلة ، لا لأنها فقط عنصر من العناصر المشكلة لهويتي كمغربي ، بل لأنها تمتلك طعما لا أستطيع مقاومته !
-ألتذ عندما تحضرني وصايا عمتي-رحمهاالله- ، لأن هذه المـرأة الرائـعة في وجـودي ووجداني ، بصمتني بحنكتها الوجودية ، وسكنتني بتنظيرها الحياتي ، وبســندها التربـوي مـنذ وعـيـي الطـفلـي بـها ، وبـوشمتها الـباهتة التي تـتوسط حاجبيها ، ولمعان أسنانها المصقولة ، وابتسامتها الماسية !
-ألتذ عندما يحكي لي كبار أهل ( جبل مگارطو ) وقبيلة ( أولاد امحمد ) و( فَخْدَة لَخْلُطْ ) بالشاوية ، عن سيرة جدي-رحمه الله- ، أيام السيبة والمجاعة والتيه الإجتماعي .. وألتذ أيضاً بما حُكِيَ لي عنه من بطولاته ، وهي حكايات حملتني على رسمها تشكيليا في وعيي الباطني ، وأصبحتْ سيرته نبراسي الوجودي .
-ألتذ بانتشار تربة التيرس الحمراء بفضاء الشاوية ، وهي تتهيأ لارتداء اللون الأخضر استعداداً للعطاء الخصيب . لأن لونها ورائحتها بلون دمـي .
-ألتذ بالنظر إلى التواءة خـصلة من شـعر كسـتنائي لامرأة ، واهتزاز صدرها خلف قميص ليلكي ،أوانحصار التوب على فخديها المرمريين . لأني أعشق المرأة بالمطلق ، والمرأة بالتحديد .
-ألتذ عندما تطلب ابنتي رأيي في تسريحة شعرها ، أو تناسق ألوان لباسها ، أو عندما تهتف لـي لتسـأل عن أحوالي ، أو عندما تتـمدد على اللـحاف ورأسُـها على ركبتي ، ونحن نتابع الدراما التلفزيونية العربية ، في الليالي الرمضانية .
-ألتذ وأنا أبصر طفلا في مرحلة طفولته الأولى ، يقف ثم يحبو ، يسقط ثم يقف ليحبو ، أو بنطقه أول كلمة فـي حياته .
-ألتذ بلحظة تفتق الفكرة في الذهن بعد رحيلِ بحثٍ مضنٍ .
-ألتذ بالبحر ونهر سبو ، وبالشعر والرواية والكتابة والطرب العربي والمغربي الأصيل، وبالتشكيل ، والتواصل بلا لغة أوصوت .
-ألتذ بربط حريتي الشخصية مع حرية المواطنين في بلدي ،لأجسد مفهوم الحرية في أرقى وأبهى شكل فلسفي ووجودي . وكل ما في هذا المنحى وما يستدعيه من سلوك ومسلك !
(…)
قال ( أبو سناء )،بعد أن أنهيت الكلام :
-أغبطك !
قلت لأفهم قصده بالتحديد :
-ولماذا تغبطني يا ( أبا سناء ) ؟!
قال:
-لقد نجوتَ بجلدك وعقلك من مشنقة السؤال !
ثم تاه في الأجواء لحظات .. ليستجلب نجاته من مشنقة السؤال نفسه . أذكربأن ( أبا سناء ) ، انطلق من الضد إلى الضد مستحضراً بعض تجارب الناس الذين عرفهم ، وعنهم قال:
-ماتوا قبل أن يموتوا . ماتوا ب( القوة)قبل أن يموتوا ب( بالفعل) ، طبقا للمقولة الأرسطية ! والموت ب( القوة ) يحصل في اللحظة التي يموت فيها الشعور ب( اللذة الوجودية ) في الكيان !!
(…)
كان صوتُه يتناغم وصدى صوت أم كلثوم الذي يترنح جمالا مع المقطع :
-لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا بـآت الــعـيــش قــبـل الأوان
واغـنـم مـن الـحاضر لـــذّاتـــــه
فليس في طبع الليالي الأمــان
(...)
محمد الجلايدي - القنيطرة - المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق