موسيقى

الأربعاء، 28 فبراير 2018

أبو غـــفارا..

Mohamed Jlaidi
******
قصة قصيرة :
- أبو غـــفارا..
صَفْوُ السماء من كدر الغيم، زاد زرقتها توهجا.. فارتسم في الأفق خط التماس أنيقا.. فيم اتَّشَح البحر بتراتبية لونية ، أقربها إلى رمال الشاطئ : تشكيل من البياض الثلجي،وأبعدها مدىً:زرقة داكنة..وبين اللونين بساطان مائيان، أحدهما أزرق فاتح،بينما الثاني يميل إلى الإخضرار المنبهج. قرص شمس هذا الصباح ، تربع على عرش الزرقة المتوهجة ، وجاد بسخاء ، باعثا عبر أشعته المتلألئة ، ما تحتاجه هذه النقطة من الدفء الكافي ..
باغتني أبو غفارا بهذا السؤال:
-ثلاثة أشياء لا يمكن إخفاؤها،فماهي؟
ومن خضم الذاكرة عندما يهدأ تلاطم موجها،أتيته بالجواب:
-الحب والمال والعطر.
فاقترح أن نضيف (الكآبة)إلى الأشياء التي لا يمكن إخفاؤها.
كان مشينا وشاطئ البحر وئيدا.يقودنا حُداءُ الرغبة للإبتعاد في المدى بلا هدى.هاربين كنّا،من صراعات اليومي التي لم يعد لها طعم ولا خط ولا مدلول.عادة،في مثل هذه الأحوال،ما نختلي بنفسينا للإستجمام أو التفكير أو هما معا. نملأ صدرينا بالهواء النقي،لننظف ما علق بالرئتين من بقايا صدإ الهواء الملوث،المهيمن على الفضاء والعلاقات. وبعد حينٍ من الصمت والإنصات لإيقاع الأمواج،وهي تؤلف هديرها
السيمفوني،وتفاعلها مع النغم الداخلي،عاد إلى السؤال:
-ما معنى الكآبة ؟
ومن خط التماس الذي يفصل زرقة البحر عن زرقة السماء،أتيته بالإجابة:
-إذا كان اللون الأبيض هو كل الألوان ،فإن الأسود هو غياب اللون.
لم يطلب مني إبعاد التجريد والإيحاء عن جوابي.لكنه استجلب التشخيص بهذا السؤال:
-ومن هم الأرْهُط الذين لا تفارقهم الكآبة ؟
أبو غفارا هكذا.يستبيح نفسه لثقافة السؤال إذاما تهيأ ليفكر.يستجلب ما أمكنه ليعلل أحكامه النقدية.يعادي بشراسة أحكام القيمة، ويعتبرها كسلا فكريا ،لا تتعدى بالمرء حدود السِّباب. اكتسب ذلك بتجربته الغنية في العلاقة بالحياة والنَّاس ، وبسنوات عمره المديد،الذي قضاه في خضم الإهتمام بقضايا البلد والعصر والتاريخ .جمعتنا الإهتمامات العامة والخاصة.معه أرتاح في تشابك علاقتنا الإنسانية الـتـي تفيض رقة وحنوا وحبا واحتراما.. أعمل دوما بنصيحته التي ، بكثرة ترديده لها حفظتـها كمـا يسـوقها:
-( إنْسَ ما قرأت وَامْحُ ما كتبت . فالفكر نهر دائم الجريان . و لا يمكن أن يستحم فيه المرء مرتين . كمــا قــال هيراقليطس الإغريقي في شذراته الفلسفية،والذي لقبه فلاسفة اليونان بالفيلسوف الباكي !!)..
ومثلما يُنَشِّط أبوغفارا ذكاءه التأملي ، يشتغل بوعي على تنشيط باقي الذكاءات ، ولا ينسى الذكاء العاطفي على الخصوص ، لما له من أهمية في توجيه العواطف والمشاعر،لتطابقَ فهمه ل(اللذة الوجودية)،التـي تربط الإنسان بالحياة.
عن سؤاله قلت:
-لقد حسم المعلم الأول في تحديد الأرْهُط الذين لا تفارقهم الكآبة.وأظن أن حسمه ورد في مؤلفاته الشعبية التي وجهها للعامة خارج مدرسته.وهؤلاء ستة هم : حقود، حسود، حديث عهد بالغنى، غني يخشى الفقر،طالب رتبة لاتسعفه قدراته للوصول إليها ؛
و جليس لأهل الأدب وهو ليس منهم.
قال معقبا على كلامي :
-هم ستة في عهد المعلم الأول وما تبدى له من خلال مجتمعه في شرطه التاريخي.أما نحن فقد راكمنا إلى أصحاب أرسطو الستة ، آخرون وهم كثر،منهم على سبيل المثال لا الحصر : السياسي الذي تلاحقه نكت الهزء من طرف العامة ويلتصق بالكرسي خشية عليه،فيتماهى بالكرسي،ويتماهى الكرسي به. و العامل الذي لا يملك إلا عرقه ،
و يخشى البطالة . والموظف الذي انهكت دخله القروض طويلة الأمد. والمغني الذي يركب مطية الطرب و لا يُطرب. و المهرج الذي يستهدف إضحاك الناس فيضحك لوحده . والمخدوع الــــذي يستفيق على الخديعة ، ويعلم بأنه آخر من عَلِم . ومن يرغب في الشفقة ولا يشفق عليه أحد . والمُتَفيْقِــهُ الذي لايلتفت إليه أحد.والكذاب الذي يكمل له الناس كذبَه..
توقف أبو غفارا عن الكلام ، ليفكر في مثل هذه الأنماط من الشخصيات ، كي يواصل استعراضها.ولما فاض بها الكيل داخل دماغه ، تأفف ، وكأني به يلقي بالكآبة، وبها كمفهوم ،وبأرْهُطِها جميعهم ؛عنه ،في زرقة الماء !! ومن الإنتشار الأزرق اشتعلتْ دواخله وهجاً، فاسترد الطفل الذي يسكنه !!!
لحظتها غمرت أسارير وجهه ابتسامة عريضة، وانفجر بعدها ضاحكا،ثم قال:
-اختم الجولة آ(سي الفقيه) ، لقد تحررت وشُفيت .
وأنا أكفكف دمع عيني من الضحك،على طريقته في التحرر من كآبته اللحظية ؛ قلت خاتما الجولة كما طلب:
-ما قيمة الإنسان بلا اشتعال داخلي يربطه بالأمكنة والنَّاس،ويخلق في كيانه زاوية ما تشده إلى هذه الحياة ؟!
محمد الجلايدي - القنيطرة - المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق