Mohamed Jlaidi ا
------
-١-
------
قصة :
- لــقــاء ..
-١-
جلس قرب المنارة المنبتة على رأس اللسان الصخري الذي يفصل النهر عن البحر، وعيناه منشدتان إلى خط التماس الذي يفصل الزرقتين ! العمامة والعقال والكوفية والجلسة : علامات سيميائية أمطرت مخيلتي بالإستغراب !! لذلك لم أقاوم خطوات الفضول وهي تقودني إليه . عن بعد بدا لي وكأنه نورس غطاس ، يحلق بخياله
الخصب ، قبل أن يعود إلى كتابه الذي تلوح منه صفرة فاقعة ، مفتوحةٌ دفتاه على
فخديه . ولما اقتربت منه ، عرفته .
الخصب ، قبل أن يعود إلى كتابه الذي تلوح منه صفرة فاقعة ، مفتوحةٌ دفتاه على
فخديه . ولما اقتربت منه ، عرفته .
-وهل يخفى عني أبو عثمان عمرو بن بحر البصري ؟!
لقد جمعتني به رحلات البحث عن « المعنى » التاوي خلف حقيقة « الفكرة » و وعاء اللغة . و كم كانت الرحلات تلك ممتعة في عشرتها ومعاشرة شخوصها !! ألقيت التحية ، فعاد إليَّ من الإنتشارالأزرق . مسحني بنظرة ، ورماني بابتسامة ، ثم أشار لي بسبابة يده أن أجلس بجانبه . حدثني وحدّثُّـه ، وكان حديثا ذَا شجون . تكلم عن عصره وحكام عصره وناس عصره . وسُقْت له أهم الخصائص التي تميز هذا العصر فوجدته على دراية واسعة بها وبما آلت إليه تكنلوجيا الإتصال و التواصل وأدواتها، وتطور حياة الناس في غمرتها . ومثلما لم تفارق وجهه التسعيني سمرته الغامقة حافظ أيضا على خفة ظله ومرحه ورهافة سمعة . وعندما حل الغروب ، سكت عن الكلام ، و راح معاودا التحليق بنظره في الأفق . شاركته صمته و اندماجه الجميل في جمال التفاعل الضوئي الذي يرسم لوحة هذا اليوم . كان منشدا إلى المشهد أمامنا بعقل الفلاسفة ووجدان الشعراء ، إلى أن اكتمل الغروب . ولما ارتسم الشفق ، عزَّ علي أن أترك أبا عثمان يقضي ليلته في هذا المكان رفقة عشاق الصيد بالقصبة ليلا . ولكي لا يرى فِيَّ بعض صفات
« أبي الحارث » أو« الهيثم » أو« أبي القماقم » .. دعوته إلى العشاء والمبيت ، فوافق .
« أبي الحارث » أو« الهيثم » أو« أبي القماقم » .. دعوته إلى العشاء والمبيت ، فوافق .
-٢-
بالبيت استأذنت أبا عثمان لتهيئ الشاي ، فشكرني بلطف . تركته مع التلفاز ودلفت إلى المطبخ . ولما عدت ب« الصينية » عليها لوازم الشاي ، عاد إلي أبو عثمان من الإبحار في عالم القنوات التلفزية الفضائية . اعتذرت له عن التأخير فقال :
-«لا عليك ، لقد مارست في غيابك ( الكسل الرقمي )»!
ولما بدا له بأني لم أفهم قصد كلامه ، أضاف :
-« إن الإبحار على غير هدى عبر هذه الأدوات ، تجعل المبحر يخرج من إبحاره لا يلوي على شيء ، ولا يدرك بأنه أضاع وقتا ثمينا من حياته . أوليس هذا( كسلا رقميا ) ؟»
أجبت وعلامات الإعجاب بادية على ملامحي :
-« بلى ، هو كذلك بالدقة والتمام »!
-«لا عليك ، لقد مارست في غيابك ( الكسل الرقمي )»!
ولما بدا له بأني لم أفهم قصد كلامه ، أضاف :
-« إن الإبحار على غير هدى عبر هذه الأدوات ، تجعل المبحر يخرج من إبحاره لا يلوي على شيء ، ولا يدرك بأنه أضاع وقتا ثمينا من حياته . أوليس هذا( كسلا رقميا ) ؟»
أجبت وعلامات الإعجاب بادية على ملامحي :
-« بلى ، هو كذلك بالدقة والتمام »!
-٣-
ولما طاب لنا السمر الليلي بعد طعام العشاء ، سألته سؤال قياس :
-« كيف وجدت عصرنا يا أبا عثمان ؟»
لحظتها انطلق في الكلام بتلقائية في القول وبدون أدنى صعوبة في اختيار الألفاظ كدوال ، فقال :
-«عمرت طويلا. وعايشت إثني عشر خليفة. بعضهم كان ظالما، وبعضهم كان عادلا. والقاسم المشترك بينهم جميعا ، أنهم حكموا إلى خراسان . ومن ظلم منهم وصل ظلمه إلى هناك ، ومن عدل منهم وصل عدله إلى هناك . أما أنتم، فلم ترثوا من ماضيكم إلا الدم ، حتى صار الدم في أعينكم ماء . تقتلون الأئمة وتغتالون الشعراء . وتستبيحون وأد الأطفال والبنات . وتنحرون الشيوخ والنساء . و تسمون ذلك جهادا ضد الكفر . والكفر من حولكم يذكي نار الفتنة بينكم . لذلك فأنتم من سلالة المماليك في صورة السلاجقة . ولذلك فأنتم أبشع أمة أخرجت للناس . ندمت على الوقت الثمين و الطويل والشاق ، الذي صرفته في كتابة « البيان والتبيين » كي لا يضيع بيانكم ، فضاع ! كتبت في «التوحيد» فتعددت آلهتكم ! أما ما كتبته عن «الحيوان» فإنني لم أندم عليه.لأنه ينطبق برؤيته الفلسفية عليكم . وها أنذا بينكم ، أبحث فيكم عني ، فوجدت نفسي في غابة كتابي عن الحيوان . ولما بحثت عن التفاعل النصي مع كتبي ، وجدت ضالتي لدى« الكفرة » ! وشيخِهم السيد«غوغل» جازاه الله خيرا ! لأنه وفر علي جهد التجوال وتعب الترحال . وعثرت لديه على من تعاطى، منكم ومن غيركم ، مع كتبي قراءة وتأويلا . فشكَّلتُ بذلك صورة على التناص الذي فاضت به كتبي في عالمكم الإفتراضي . ولما بحثت عن التفاعل النصي مع كتبي في الأرض ، التي هي أرضي ، وجدت نفسي في منفى ببلدي . فلاأحد ممن لاقيت عرفني . وهذا ما حز في قلبي ، وحملني على استعجال الرحيل إلى قبري ، لولا الصدفة الجميلة التي قادتك إلى اللقاء بي ، فوجدت فيك واحدا على الأقل ممن أحبني وأحب كتبي !»
-« كيف وجدت عصرنا يا أبا عثمان ؟»
لحظتها انطلق في الكلام بتلقائية في القول وبدون أدنى صعوبة في اختيار الألفاظ كدوال ، فقال :
-«عمرت طويلا. وعايشت إثني عشر خليفة. بعضهم كان ظالما، وبعضهم كان عادلا. والقاسم المشترك بينهم جميعا ، أنهم حكموا إلى خراسان . ومن ظلم منهم وصل ظلمه إلى هناك ، ومن عدل منهم وصل عدله إلى هناك . أما أنتم، فلم ترثوا من ماضيكم إلا الدم ، حتى صار الدم في أعينكم ماء . تقتلون الأئمة وتغتالون الشعراء . وتستبيحون وأد الأطفال والبنات . وتنحرون الشيوخ والنساء . و تسمون ذلك جهادا ضد الكفر . والكفر من حولكم يذكي نار الفتنة بينكم . لذلك فأنتم من سلالة المماليك في صورة السلاجقة . ولذلك فأنتم أبشع أمة أخرجت للناس . ندمت على الوقت الثمين و الطويل والشاق ، الذي صرفته في كتابة « البيان والتبيين » كي لا يضيع بيانكم ، فضاع ! كتبت في «التوحيد» فتعددت آلهتكم ! أما ما كتبته عن «الحيوان» فإنني لم أندم عليه.لأنه ينطبق برؤيته الفلسفية عليكم . وها أنذا بينكم ، أبحث فيكم عني ، فوجدت نفسي في غابة كتابي عن الحيوان . ولما بحثت عن التفاعل النصي مع كتبي ، وجدت ضالتي لدى« الكفرة » ! وشيخِهم السيد«غوغل» جازاه الله خيرا ! لأنه وفر علي جهد التجوال وتعب الترحال . وعثرت لديه على من تعاطى، منكم ومن غيركم ، مع كتبي قراءة وتأويلا . فشكَّلتُ بذلك صورة على التناص الذي فاضت به كتبي في عالمكم الإفتراضي . ولما بحثت عن التفاعل النصي مع كتبي في الأرض ، التي هي أرضي ، وجدت نفسي في منفى ببلدي . فلاأحد ممن لاقيت عرفني . وهذا ما حز في قلبي ، وحملني على استعجال الرحيل إلى قبري ، لولا الصدفة الجميلة التي قادتك إلى اللقاء بي ، فوجدت فيك واحدا على الأقل ممن أحبني وأحب كتبي !»
-٤-
تذكر أبو عثمان ، ما أبدعه من نصوص عن البخلاء ، فسألني بعد أن مَهَّد لسؤاله بتوطئة :
-« أقدر بأنك تعلم أن لكل عصر بخله.يبقى الجوهر ويتنوع التجلي . وأقدر أيضا بأنك تعلم أن أخطر من يهدد الدورة الإقتصادية ، كما تسمونها بلغة عصركم ، هم البخلاء.ولما سألت الشيخ « غوغل »عما تم تأليفه من إبداع سردي عن هؤلاء ، أجابني بأن ما أطلبه غير موجود!باستثناء بعض الأخبار العادية التي نقلها لي عن أشهر بخلاء العالم. - فماذا حصل لمبدعيكم في تعاطيهم مع هذه التيمة ؟! هل طالهم بخل البخلاء هم أيضا ؟! أم في الأمر شيء آخر لا أعرفه ، ولا يعرفه الشيخ( غوغل ) ؟!»
أجبت بما أعرف وأقدر:
-« أظن بأن السرديات في عصرنا ، انجذبت إلى فن القصة والرواية ، وحافظت إلى حد ما على علاقتها بفن السيرة . فيما أنصرفت عن فنون الأخبار والنوادر والمقامة . وإذا كان الشعر« ديوان العرب » في عصركم وقبله ، فإن القصة و الرواية ، يعتبرهما بعض النقاد « ديوان العرب الجديد ». لكن الفراغ في الأخبار والنوادر والمقامة ، تكفلت به المخيلة الشعبية ، فأبدعت فيه واستفاضت . وفن النكتة الشعبية ، يسوق بدون توقف ، نصوصا لاتقل جمالا في الصياغة المضمونية والبنائية ، عن تيمة البخل والبخلاء ، مثلما اقتحم هذا الفن الشعبي بجرأة ، الكثير من المحظور السياسي والجنسي.»
سألني:
-« وهل تعرف نموذجا لنكت عن البخل والبخلاء ؟»
أجبت :
- « نعم ، أعرف .»
قال:
-« إحك ..»
فحكيت :
-« أقدر بأنك تعلم أن لكل عصر بخله.يبقى الجوهر ويتنوع التجلي . وأقدر أيضا بأنك تعلم أن أخطر من يهدد الدورة الإقتصادية ، كما تسمونها بلغة عصركم ، هم البخلاء.ولما سألت الشيخ « غوغل »عما تم تأليفه من إبداع سردي عن هؤلاء ، أجابني بأن ما أطلبه غير موجود!باستثناء بعض الأخبار العادية التي نقلها لي عن أشهر بخلاء العالم. - فماذا حصل لمبدعيكم في تعاطيهم مع هذه التيمة ؟! هل طالهم بخل البخلاء هم أيضا ؟! أم في الأمر شيء آخر لا أعرفه ، ولا يعرفه الشيخ( غوغل ) ؟!»
أجبت بما أعرف وأقدر:
-« أظن بأن السرديات في عصرنا ، انجذبت إلى فن القصة والرواية ، وحافظت إلى حد ما على علاقتها بفن السيرة . فيما أنصرفت عن فنون الأخبار والنوادر والمقامة . وإذا كان الشعر« ديوان العرب » في عصركم وقبله ، فإن القصة و الرواية ، يعتبرهما بعض النقاد « ديوان العرب الجديد ». لكن الفراغ في الأخبار والنوادر والمقامة ، تكفلت به المخيلة الشعبية ، فأبدعت فيه واستفاضت . وفن النكتة الشعبية ، يسوق بدون توقف ، نصوصا لاتقل جمالا في الصياغة المضمونية والبنائية ، عن تيمة البخل والبخلاء ، مثلما اقتحم هذا الفن الشعبي بجرأة ، الكثير من المحظور السياسي والجنسي.»
سألني:
-« وهل تعرف نموذجا لنكت عن البخل والبخلاء ؟»
أجبت :
- « نعم ، أعرف .»
قال:
-« إحك ..»
فحكيت :
-٥-
-« مات والد ميسور خرج بالتحايل من براثين الفقر ، فرفض دفن أباه . ولما تجمهرالناس أمام « خربة » سكنه ، للمشاركة في تشييع جنازة أبيه ، خرج لهم ، وطلب منهم أن يعودوا عندما تموت أمه ! استغربوا رفضه ، فقال : سأحتفظ بأبي في براد الثلاجة إلى أن تلتحق به أمي ، وأُقيم لهما معا جنازة واحدة .»
-٦-
..ضحك أبو عثمان حتى اغرورقت عيناه الجاحظتان بالدموع ، وهو يقول :
-« أين هو باب الكرة الارضية ، فإنني أريد الخروج من كوكبكم »!
-« أين هو باب الكرة الارضية ، فإنني أريد الخروج من كوكبكم »!
-٧-
قمت من نومتي ،لأغسل وجهي وأسترد صحوي بقهوتي الصباحية ، وسيجارتي الأولى .. وطيلة اليوم وأنا أردد بغير صوت :
-« ما أروع الحق في الحلم » !!! وبعد كل ترديد أبتسم ..
محمد الجلايدي -القنيطرة - المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق