موسيقى

الثلاثاء، 8 مايو 2018

من دون ميعاد (4)

من دون ميعاد (4)
استأذن أحمد من صابرين و اختلى بنفسه في غرفته لدقائق, كان شديد الحزن و لم يتمكن من حبس الدموع في عيينيه , جلس فوق فراشه و هو يشد رأسه بيديه ,حاول أن يهدأ و يخفي ألمه إلا أنه فشل في ذلك لأنه بمجرد ما فتح باب غرفته لاحظت صابرين تغييرا واضحا على ملامحه حيث كان يتجنب النظر إلى عينيها . أحست بمشاعره الحزينة و بألمه العميق, لم ترد إحراجه بأي سؤال.
كان الصمت رهيبا, بقيت صابرين جالسة في مكانها لم تتحرك و لم تنطق بكلمة احتراما لأحمد.
كانت حائرة في أمرها وجدت بأن الوقت غير مناسب لتحكي لأحمد عن أمورها الشخصية, و بينما هي تفكر بما ستخبره به وضع أحمد الطعام على المائدة و دعاها للأكل. كان أحمد ينظر إلى طبقه دون أن يمد يده إليه و كانت هي مثله بالضبط و حتى تخرجه من حزنه قالت :
- ألا تريد أن تسمع قصتي?
هز أحمد رأسه و أجابها :
- بلى هذا ما أتمناه.
- إذا كل, لتسمع مني ما تريد.
- و انت كذلك كلي لأسمع منك حين تنتهين. إنني تعودت على الإستماع أكثر من الكلام بسبب عملي.
- لم أتعود على العشاء فكم من ليلة بت فيها جائعة, أنا لا أشعر الآن بالجوع .
- و أنا كذلك لم أعد جائعا, سأعد لنا شايا لنشربه.
ساعدته صابرين على جمع الأطباق ثم جلست في مكانها حائرة تسأل نفسها : "أ أقول له كل شيء أم ماذا?".
بدأت صابرين في الكلام و هي تمسك بشدة كأس الشاي بين يديها. لاحظ أحمد توثرها و تجاهله و بدأت في الكلام.
كبرت صابرين في الملجأ لأنها يتيمة الأم و الأب دخلته و هي طفلة صغيرة , عاشت فيه مع زميلاتها و ربطت بينهم علاقة قوية كأنهم أفراد عائلة واحدة . أكملت دراستها و حصلت على دبلوم في المحاسبة.
و ذات صباح أرسل مدير الملجأ السيد عزوز في طلبها. وقفت صابرين و طرقت الباب ثم دخلت :
- صباح الخير سيدي, هل طلبتني?
- نعم صابرين, تفضلي اجلسي.
- حاضر سيدي, ماذا تريد مني?
- اسمعيني صابرين, لا أدري من أين سأبدأ ولكن يعز علي ما سأقوله لك أنت تعرفين القوانين , لقد بلغت السن القانوني لمغادرة الملجأ منذ مدة قليلة و لم أخبرك بذلك ليلا يؤثر ذلك على إمتحانك و بما أنك حصلت على دبلوم في المحاسبة هذا سيسهل لك العمل في إدارة ما. أعرف أنه أمر صعب و لكن ليس لي أي اختيار و لا يمكنني مخالفة القوانين.
صدمت صابرين بكلام مديرها رغم أن هذا الأمر كان لابد منه و لطالما فكرت فيه. كان هذا الكلام كخنجر يقطع أحشاءها. وقفت صابرين و قالت :
- لكن سيدي أين سأذهب و أنا لا أماك مالا و لا بيتا و لا حتى عملا? ألا يمكنك أن تشغلني هنا في المطبخ أو النظافة? أنا على استعداد أن أعمل أي شيء بشرط أن أمكث في الملجأ.
قالت صابرين هذا الكلام و هي تبكي و تشهق. سالت الدموع و بللت وجنتيها. كان السيد عزوز يعلم مسبقا بما سيحدث , وقف و وضع يده على كتفها ليخفف من حزنها ثم قال : - لا تشغيلي بالك, لقد قمت ببعض التدابير لمساعدتك سأخبرك عنها.
ما أن أنهى السيد عزوز كلامه حتى سمع أحدا يطرق الباب فأذن له بالدخول.
دلف المكتب رجل سبق لصابرين أن رأته في الملجأ, إنه السيد طارق, شخص معروف و يحبه الجميع . رجل تجاوز سن الأربعين ,طويل القامة , أسمر اللون, قصير الشعر, له عينين سوداوين, يتميز بابتسامة جميلة لا تفارق شفتيه. عرف عنه أنه خلوق, صادق في كلامه , يوفي بوعوده و معروف أكثر بعمله الخيري. يقدم المساعدة لكل من طلبها منه أو حتى لم يطلبها. يقدم الهدايا للنزيلات في الملجأ في الأعياد و المناسبات. إنه يعرف ما معنى الحرمان لأنه كبر هو الآخر في الملجأ, و بعد مغادرته له بدأ حياته كبائع متجول فبارك الله في عمله حتى أصبح تاجرا كبيرا.
سلم السيد عزوز على السيد طارق و رحب به و قال لصابرين :
- بلا شك انت تعرفين السيد طارق, هو الذي سيساعدك سيوفر لك عملا و سيبحث لك عن بيت صغير لتسكني فيه, لا داعي للقلق, أمامك أسبوع لتحضري فيه أغراضك و توديع زميلاتك, سوف نفتقدك كثيرا و سننتظر زيارتك من حين لآخر, و الآن امسحي دموعك.
تفاجأت صابرين عند سماع هذا الكلام و لم تعرف ما تقول أو ما تفعل , شكرت السيد عزوز و كذلك السيد طارق و غادرت المكتب.
بقلمي : مليكة فكري
المغرب
يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق