موسيقى

الأحد، 2 ديسمبر 2018

مقارنة .

********************مقارنة ...****************
المدينة التي يزورها اليوم لم تعد سوى صورة من صور الماضي الجميلة التي تحتفظ بها ذاكرته...
كل ملامحها تغيرت في نظره واصبحت بمظاهر لا تطابق ذلك الوجه المشرق الذي التقتطه ذاكرته عن الامكنة التي كان يرتادها منذ اكثر من عقدين من السنوات ...
لم تسعفه ذاكرته في العثور على الفندق الذي كان يحط فيه الرحال ...يعبر الشارع الرئيسي للمدينة جيئة وذهابا محاولا استرجاع خريطة تقادمت في ذهنه بفعل مرور السنين ولم تعد صالحة كي تحدد تحركاته ورسم مساراته ...ارهقه البحث فما كان عليه الا الاسثغاتة باحد البائعين المحتلين للشارع الرئيسي للمدينة الذي دله على الفندق باشارة باصبعه فقط وذون ان يتكلم ...فالفندق كان قريبا جدا من مكان وقوفهما ...
يتجه نحو الفندق مهرولا تسبقه الذكريات ...
نفس المستخدم المكلف بالاستقبال ...وقذ حول الزمن تقاسيم وجهه الى اخاديد غائرة على بشرته ...يتامل جدران قاعة الاستقبال التي فقدت رونقها وذبلت الوان طلائها الذي يظهر ان صاحب الفندق ظل وفيا لها لتشهد على قدمها وتؤرخ لاول يوم فتح فيه الفندق...
يستلقي فوق نفس السرير بنفس الغرفة محاولا الانتشاء بلعبة التذكر ليحلق بعيدا عن تردي الحاضر ...
اطلالته من نافذة الغرفة المفتوحة على الشارع الرئيسي جعلته يعلم ان احتلال الباعة للشارع هو ما اخفى عنه المعالم التي تقوده الى الفندق وتحول ممراته الى سوق قروي وان ذاكرته بخير رغم مرور كل هذه السنوات ...
يخرج من الفندق ليتفقد الاماكن ويسترجع صور بعض الشخصيات التي تعامل معها كلما زار هذه المدينة الشاطئية اثناء عطلته السنوية ليصل الى نفس النتيجة ...ان المدينة التي في ذاكرته ليست هي التي يوجد فيها الان ...
********محمد بوعمران/مراكش***********

الأربعاء، 7 نوفمبر 2018

اقراص عجيبة

*****************اقراص عجيبة*************

اخرج من محفظته مجلة يظهر من حالة اوراقها انها قديمة وانها عانت كثيرا من تقلبات الدهر لتصبح وثيقة تؤرخ لفترة اصدارها وتداولها ...مجلة مكتوبة بحروف لاثينية تحمل صورا لنجوم اغلبهم قذ فارق الحياة او يعيش خريف العمر ...يفتح المجلة ثم يبدا في ترجمة محتويات صفحاتها بلسان عامي دارج كما يشاء ...
كان المترجم رجلا في مقتبل العمر وفي كامل اناقته ...بدلة زرقاء ...قميص ابيض ناصع ورابطة عنق حمراء ...وعلى عينية نظارة لتصحيح النظر ...تفوح منه رائحة عطر زكية ...سامق الطول وبجسد متوسط الامتلاء ...مظهر ملفت للانظار يجلب على صاحبه هالة من الوقار ...ووراء ظهره سيارة تناسب هذه الاناقة وتزيد من قدر صاحبها...
يحمل في يديه مكروفونا يلقي من خلاله في مكبر للصوت شروحاته لمحتويات المجلة القديمة بكلمات دارجة انيقة وبطريقة من يحاضر او يلقي خطابا مهما ...مشيرا الى صور المجلة بقضيب من خشب صقيل ...
المارون بجانبه لا يستطيعون تجاوز حلقته الغريبة التي وفر لها كل اسباب النجاح والايثارة والتميز...
بتوقف عند صورة لطبيب بوزرته البيضاء قائلا باسلوب واضح وبكلمات مناسبة لمستوى من يستمعون له
-هذه صورة لطبيب امريكي ...اخترع دواء يزيد من القوة الجنسية ويعالج البرد ويرد للشيخ ايام شبابه...وهذا هو الدواء العجيب ممشيرا الى صورة لاقراص ملونة بجانب الطبيب ...
وبكل ثقة بالنفس وفي هدوء تام يظهر صدقه يضيف
-كنت في امريكا والتقيت هذا الطبيب واعطاني كمية من هذه الاقراص ولمن لم يصدق فهاهو جواز السفرو هاهي علب الاقراص...انظروا اليست هي نفس العلبة الموجودة على المجلة...
ينظر المتحلقون حوله لبعضهم البعض مندهشين لما يسمعونه ويرونه ...
يقول
-من اراد منكم هذا الدواء فان ثمنه زهيد ...عشرة دراهم للعلبة وعلبتين بخمسة عشرة درهما فقط...
يطوف بالحلقة ....يبيع عددا لا باس به من العلب ...يجمع الحصيلة ويودع الكل بلباقة ثم يجمع وسائله ويطوي المجلة القديمة ثم يركب سيارته الانيقة وينصرف...
يمر احدهم بجانب الحلقة المتفرقة موجها خطابه للجمع متهكما
-بكم باع لكم الطبيب الحلويات...مذاقها رائع....
********محمد بوعمران /مراكش*********

الجمعة، 19 أكتوبر 2018

قصة قصيرة

فريدون دندن
**********
قصة قصيرة
......... ......
كنت مارا من امام معبد
فضولي
وسؤال يستفزني .....
دخلت
واذا بالكاهن يصلي
تركته
انتهى من ترنيمة الدعاء
باشرته بالحديث
ايها الكاهن
هل لك ان تحدثني عن اهل النار
قال : اغلبهم من النساء
نظرت اليه شزرا
خاطبته بلغة المرتد
لكم دينكم
ولي ديني
فاني بريء من ملتكم

الجمعة، 12 أكتوبر 2018

الصديق المزيف

الصديق المزيف
في سالف الأزمان أيام جحا و بديع الزمان و ابن ذي يزن فرسان فترة قرأنا عنها وسمعنا عجبا عن مواقف خلدت تلك الحقبة في الأذهان عن معنى الوفاء و الرجولة و الدهاء والأخلاق العالية حتى مع الأعداء فالفروسية لا تطلق على أي كان .
عكس هذا الزمان فالقط في الظلام يتحول إلى ضرغام و الجبان يلعب دور البطولة مع الشجعان . كثر المزيفون حولنا وسقط القناع عن بعض من كنا نظنهم خلان و جعلنا لهم مكانة في القلب فخذلونا مع توالي الأيام فالزمن فضّاح يكشف لك الحقائق مهما علتها الأصباغ وغلفها الدهان فعوامل التعرية تنحت كل مزيف وتجرّده و تجعله عريان وتبرز حقيقته التي كان يداريها فيما خلا من الأيام. فشكرا لكل واحد ظل كما عهدناه في البدايات وقاوم عوامل التعرية وبقي معدنه أصيل على حاله لم تزحزحه رياح مال أو مسؤولية أو أي ترق اجتماعي كيفما كان.
وإلى كل مزيف مصلحي هنيئا فاليوم أنت وشيطانك الذي يوسوس لك سيان أكمل ماتبقى من أيامك تلبس قناعا فصعب أن تظهر للناس بوجهك الحقيقي فقد غدا ابشع من أي مارد أو جان، و إن غرتك فِعالك و دسائسك وظننت أنك فارس هذا الزمان، ففرسك من دخان ستعصف به يوما رياح الموت مهما طال الزمان وتقذفك في قبرك ومهما حاولت داخله أن تتلون مثل الحرباء أمام ملائكة الرحمان لن يجديك التلون نفعا فهناك النويا مكشوفة للعيان وعدالة الرحمان لا تظلم أي إنسان .
آه ! نسيت أن اخبركم أن ما فات كان مجرد حلم مفزع يا أحبابي فما أصعب أن تبتلى بالهذيان.
محمد الفرݣاني

جولة في الذاكرة*

**********************جولة في الذاكرة*********************
كان يشعر بان المدينة لم تعد كتلك التي عاش فيها طفولته وهوصبي حديث العهد بالحياة حين كان يجوب ازقتها ويقطع مسافة دروبها راكضا مع اصدقائه وهم يلعبون بكرة من البلاستيك او حين يجلسون مساء تحت ضوء مصابحها الخافت كضوء قنديل يتسامرون متبادلين قصصا وحكايات سمعوها من الكبار ...كان يحس ان الامور تغيرت كثيرا ...هذا الاحساس يوقض في ذاكرته ووجدانه شعورا بحنين جارف للماضي الذي يعتبره جميلا رغم كل شيء...
المرور عبر ازقة المدينة العتيقة اليوم هو خطوات الى الوراء لاسترجاع الذكرى ...كلما سمحت له الظروف قام بجولة في الاحياء القديمة والاماكن التي تخلد ما بقي في ذاكرته من ذكريات الصبى والشباب ...اكتمال متعة هذه الجولة تتحقق حين يلتقي باحد اصدقائه القدمى او يصادف احد الجيران فيكون الحديث بطعم الحنين ومعبرا عن مثانة العلاقة التي تتحدى الزمن ...وتكون عكس ذلك حين يعلم ان شخصا منهم غادر الحياة ...
زيارة المدينة العتيقة تقليد روتيني يقوم به لحاجة نفسية ملحة يظن انها لعبة ممتعة مع الزمن ...بحث عن مثير يحرك ذاكرته التي يخشى ان تتلف كل هذا الموروث الحافل بالاحداث والصور لتصبح كل الاماكن التي يمر منها تبحث في ذاكرته عن صورتها قبل خمسة
عقود ...الزمن له وقعه وسلطته على الاجساد كما على الجدران والاشكال ...
يتذكر ان الدروب كانت تشبه ازقة قروية متربة تتحول مع هطول الامطار الى برك مائية او الى اوحال تتطلب من العابر الحيطة والانتباه ...مصابيح تحول الدروب الى مسالك حالمة شبه مظلمة ...اليوم تغيرت الامور ...بلطت الدروب وتوهجت المصابيح واصبحت سطوح المنازل مثقلة بالصحون المقعرة اللاقطة لصور تاتي من كل بقاع المعمور ...الاطفال متجمعين في الدرب وكل واحد منهمك في تصفح هاتفه ...لا يتحدثون الا قليلا ...الامور تغيرت ...لكن هناك اشياء فقدت ...هي مصدر الحنين الى الماضي الذي لن يعود طبعا ولكنه جدير بالتذكر ...هذا ما كان يقوله كلما زار حيه القديم...
***********محمد بوعمران/مراكش**************

الأحد، 7 أكتوبر 2018

حنين

*****************حنين*****************
كان الطقس ربيعيا ...زرقة السماء فسحت لاشعة الشمس المجال لتنشر اشعتها على المدينة
وتمنحها دفء الحياة ...الجو يغري بالنزهة ومعانقة الطبيعة ويبعث في النفس الحنين لامتاع النظر بالخضرة والاستلقاء تحت ظل الاشجار....
حين غادر الفراش اتجه نحو النافذة ...فتحها ليلقي نظرة على الشارع ويملا رئتيه بنسيم الصباح...اطلق لبصره العنان ليتامل مظاهر الطبيعة المحيطة بالمدينة والتي تظهر بعيدة تعانق زرقة السماء...تذكر قريته حيث الدوار بمنازله الترابية وسقوف منازله الخشبية ...اخده الحنين الى عالم البساطة ونقاء الجو وعفوية القرويين ...تذكر طفولته وهو يجري بين الحقول مع اقرانه ...وهو يرعى الاغنام في مروجه ...وهو يدرس في اقسام موضوعة بشكل مفتوح على الطبيعة...تذكر ...قرر ان يقضي هذا اليوم في الدوار ...
تناديه الزوجة
-لا تنسى يا سيدي انك وعدت الاطفال بمرافقتهم اليوم الى حديقة الالعاب.....
اجابها ذون تردد
-والدوار....
**************محمد بوعمران/ مراكش**************

"ثرثرة فوق الغضب"

من المجموعة القصصية "ثرثرة فوق الغضب" ل حسنية الدرقاوي
كل النساء سواء.. يخفن الهجر والانفصال..
إلا الأنثى الجبارة..
المهلكة..
المدمرة للدمار نفسه...
تلك التي تنهض من الأنقاض أكثر ضراوة وقوة..
تلك التي تزداد وهجا كلما جرحت..
و تزأر بغضب لتطاوله على هيبتها وآعتدادها..
فتنفض الغبار العالق بفستانها البالغ الأنوثة..
وتترك عيونها الجافة من الدمع تمشط المكان..
تقيم الخسائر..
تعد تكلفة البداية من جديد..
لتسطر جدولة للأهداف المستقبلية في سقف زمني محدد!!.
تلك لا ترتعب من الهجر..
لا تبكي إن غادرها..
لا تخشى الانفصال..
بل تسعى إليه..
لدرجة تثير الرعب في شريكها..
فتجعله يبحث عن ألف وسيلة و وسيلة، للاحتفاظ بها وتحقيق كل أمانيها، حتى لا تسعى بنفسها للتحرر ونيل مطالبها بمفردها ومقدرتها.
هذا النوع يلجم سيطرة الرجل..
يروض رغبته الأنانية في تقييدها بالشرع والأطفال والأوتاد والأعراف..
وبدل أن تكون تحت رحمته..
يصبح تحت رحمتها!.
إذا غادركن منسحب، لا تسمحوا له بالانسحاب بصمت..
فالصمت نار الفراق وبداية الاغتراب والاحتراق..
النهاية الغامضة المبهمة والصامتة.. لا تليق بعاطفة نبيلة كالحب..
الصمت إذلال واحتقار لعنفوانه..
المنسحب بصمت، مصاب بسادية عشقية مفزعة، تجعله يتلذذ بتعذيب الطرف الآخر، الحائر المنهزم بعواطفه تجاهه ..
والذي لا يفهم سر التخلي عنه في صحراء الاغتراب بلا رحمة أو تفسير..
فتلك هواية الرجال المفضلة..
يستمتعون بترك جثث النساء المتناثرة على الطرقات، والتي ترتدي سريعا ثوب الموتى الأحياء..
لتتحول بدورها لآلة تفتك بالقلوب، فتأتي على ما تبقى منهم!!.
فضحية هذا..تصبح فضيحة ذاك وقاتلته!!.
لتتناثر جثث الأحبة في فضاء الكذب وهتك عرض الحب، الذي يبرأ من طريقتهم الدامية في اعتناقه كمذهب!!.
إلى كل الذين عوقبوا بانسحاب أجزائهم في صمت:
لا تتركوها تتملص منكم دون تفسير..
حاصروها ..
تحدثوا إليها..
اقطعوا حبل الصمت بالمعرفة..
لا تتركوا أعناقكم معلقة في مشنقة السؤال إلى الأبد: "لماذا غادروكم؟"..
فعندما يعرف السبب، يبطل الألم.. وينتهي الوجع..
طبعا الحياة كلها ليست صراع وفرض شخصية وهوية!.
هناك نماذج جيدة تتعايش بسلام، تعطي أكثر مما تأخذ...
طبعا هي نماذج نقرأها.. دون أن نصادفها!!.
حسنية الدرقاوي

الأحد، 23 سبتمبر 2018


Riadh Msakni

******
قصة قصيرة
شذوذ
في لحظة صفاء أجال بصره بين جدران البيت .صور بيضاء وسوداء تكاد تغطّي كامل المساحة ، موزّعة في شيء من الفوضى ، وقد ذهب الزمن بتفاصيلها . صورة واحدة بقيت محافظة على شيء من بريق الوانها .لم يتعرّف على ملامح صاحبها ، إلا أنّها قد تكون لامرأة . أهي والدته ؟ ام هي زوجته ؟ ام ابنته ؟...
لم يكلّف نفسه مشقة الاجابة ما دام قد أشبع غريزته .
رياض المساكني ( انقزو )
تونس

الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

توأم الروح

القصة رقم 19
توأم الروح
لو جمعتها ما جمعت ولو تعاهدت أن تلتقي ما التقت لكن ، تتظافر الأحداث و تتكامل العناصر فيما بينها و ذلك سر من الأسرار، فحين تسموا الأنفس ببعضها فإن الكون يضيء طريقها ، فترى الخلائق تنشر المودة و تزرع المحبة من حولها ، وكل دابة تطأ أديم الأرض لابد و أن تجد مسكنها ترنوا إليه و تميل نحوه و تزهر إحساسا يلامس البواطن في الفؤاد ، و تحرك الأشجان في الصدور .
هذا وميض يلقى بسحابة من نور و ذلك شهاب يلاطم الدجى ، و الأحياء بغير حب أموات في أجساد تصطخب عروقها ، ومن لا يعشق هو قلب ينتفض في فراغ ، و جسد لا تفوح منه نشوة الوله هو جلد يطرح التراب .
بين سكرة النوم و صحوة العين تنجلي أمامه غمامة نحاسية اللون شفافة المنظر فاتحة له باب بتسان يخلب الناظر و يلسب عقل المتبصر ، هناك أزهار أقحوان و السمسم و الريحان ، أشجار التوت تكتنف الجوانب و من بعيد غزالة تمرح في العشب ، تسلل بحذر ، اختبأ خلف الأحجار اقترب منها وعلى غفلة منها مد يده محاولا امساكها فطارت تقفز هاربة ، فتح عينيه فوجد الظلام يلف الغرفة .
تقلب في فراشه يمنة و يسرة و تحت ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة رأى زوجه تغط في نوم عميق ، تبصر في وجهها ، بريئة هادئة تساءل مع نفسه :
ـ أي خصلة حميدة فعلتها كي تجود علي السماء بهذه النعمة ، جوهرة ثمينة وما أرخص الجواهر دون وجودها ، قطرة عسل مصفى ، وما قيمة العسل إن غابت عن الدنيا ، مثل سكر مذاب على الريق وما حاجة السكر إن ابتسم ثغرها ، بوجودها تكتمل معالم الحياة ، هي النصف و الكل ، القلب و النبض ، الجسد و الروح ، ظلمة السجن خير من غيابها ، وحشة القبر أهون من هجرها ، قليل مما تجود يمناها تطرب لها القلوب المضطربة ، و القليل مما تعطي لا يقال عنه قليل .
رفع الغطاء بمهل فقادته خطواته أمام النافذة ينظر للنجوم الساهرة ، غاب بأفكاره فسمع تقلبها في الفراش ، رفعت رأسها متسائلة فقامت متجهة نحوه ، جلست بجانبه و النعاس يغالب جفنيها ، إنها كطلعة البدر ، و نسمات تفوح منها تعيد الروح لمستقرها ، سباقة دوما في قراءة الأفكار ، تقدم المساعدة بسخاء ولا تنتظر الجزاء ، قطعت ذلك الشرود في عينيه و سألت :
ـ ما بك لا تنام .
استقر بصره فاحصا عينيها التي تشكف لها الحجب مع وجنتين تحمل السعادة عن آخرها ، كيف لهذا الجمال أن ينجوا من مكر العادة و سم الضجر ، ألا سحقا لكل من يتجبر بضعف المرأة وكل من يهمل عواطفها.
عندما لم تجد جوابا وضعت يدها تربت على كفته و قالت :
ـ ما بك يا زوجي جفاك النوم أو هو الأرق ؟
ـ أشعر ببعض القلق .
قامت فزعة ثم التصقت به وهي تمسح على ظهره :
ـ خيرا يا أغلى ما في الدنيا مالذي يقلقك ؟
خفض رأسه للأسفل و قال بصعوبة :
ـ قلق عليك .
احمرت خجلا و غابت عبراتها و ضربته بكف العتاب و هي تقول و الإبتسامة تنساب عذبة مع حروفها :
ـ كيف تقلق علي و أنت نعمة من السماء و هدية من الرب و قرة العين ، ترعاني و تزيح الأذى عن طريقي ، إن نساء العالم يحسدونني و الغيرة تطحن قلوبهم ، أما ترى كم نحن سعيدين ببعضنا . لا تعد هذه الكلمة فما دمت جانبي لا تحمل ما لا يستحق القلق .
رفع رأسه بجهد و الكلمات لا تسعفه للنطق و قال بصوت ضعيف :
ـ سوف أتزوج .
تسمرت للحظة وضعت يدها على فمها ، شحب وجهها ثم أطلقت صرخة أفزعت الكائنات في مراقدها و سقطت تنتحب و تنذب حظها :
ـ ما كنت أظن أن طليعة مصائبي ستكون على يد زوجي ، الويل لي فيما قصرت وما الجريرة التي اقترفتها حتى تقع علي هذه المصيبة ، أما كنت بارة بك ، مطيعة لك ، تحت أمرك و في خدمتك ؟
ـ لا أنكر هذه الأفعال وما أكثرها .
ـ وما جزاء من يحسن لك ؟ خبرني ما نقص كي أزيد و ما منعت كي أعطي وما حرمت كي أهب و حياتي كلها رهينة بين يديك .
ــ لا يوجد شيء جميل لا تحملينه ، أنت الزيادة و الكمال ، و العطايا منك لا تعد لا تحصى .
هرعت نحوه تحاول ضمه بين دراعيها و الدموع تغسل مواجعها وقالت باختناق :
ـ أقسم عليك بكل مقدس أنت عابده و أقسم عليك بالحياة التي عشتها معي و كل الأوقات الجميلة التي قضيناها معا أن تقول لي ما سبب رغبتك بالزواج ؟
ـ كل ما ذكرت هي بحد ذاتها الأسباب .
دفعته بانفعال و عادت تأن بحرقة و الدموع تتدحرج بسخاء :
ـ كيف سولت لك نفسك أنني أقدر على من تشاركك الحب و أصبر على من تقاسمها الفراش و حين تنام معي أشم فيك ريحها ، و أنى لي طاقة أن يقترن قلبك بقلبها و أصدق قولك لي وهو نفس القول لها ، أما عهدت لي أن لا تنظر لغيري ، هل نسيت وعدك أن تكون لي وحدي .
مال برأسه للخلف و قال :
ـ أريد أن أعيش السعادة مرة أخرى و أذوق طعمها ، أود بدأ مغامرة جديدة تحمل الحب الجامح و العشق الفياض و الجنون في الظلام ، و الطيش ساعة الغسق ، و العبث أوقات الفراغ .
ـ يا ويلتاه أما نعيش ما ذكرت ، أما شبعت واكتفيت و حبنا ذاع صيته الأسقاع و عشقنا يمتدح به الشعراء و من هي سعيدة الحظ التي ستبادلك هذا الذي تحلم به ؟
استقام بقامته و جثى على ركبته مقربا رأسه منها و همس في أذنها :
ـ إنها أنت .
من وقع الصدمة توقفت عن البكاء و أردف يقول :
ـ نعم أنت ، أود الزواج منك مرة أخرى و ثالثة و رابعة و ألف ، أحاول أن أشبع منك ولا أشبع أتمنى أن أكتفي منك ولا أكتفي ، أجدني ألتحم بك كلما ابتعدت ، أفكر بك كلما غفلت ، أنت بكل عبارات الدنيا ، حياتي .
محمد عزيز سلطان

الأحد، 9 سبتمبر 2018

شهقة الظلام

القصة رقم 18
شهقة الظلام .
في ليلة زفافه ، شرد ذهنه بين الأنام الفرحين و انسابت الذكريات تباعا تحجب البصر ، مثلت أمامه تلك التي ظن أنها مصباح الدجى تبتسم كما اعتاد أن يسعدها، بابنة الأكرمين ينادي عليها ، يدللها ومن شدة الحب انفطر قلبها ، أضاء الظلمة المعتمة في فؤادها ، انتشلها من وحشتها ، بسط يد الرعاية حتى حاكت خيوط العناية نسيجا لف كيانها ، فما كان من ذلك غير الإهمال بالمقابل و القساوة بدل الحنان ، فضاعت أقفال جمعت بين قلبين ، و هتكت بوتقة انصهرت داخلها روحين ، وما فائدة هذه الأراجيف وهذا الحنين لأيام غابرة طمرت جوف الثرى ، و ما إن أفاق من تلك الغفوة نظر لزوجه وابتسم لها ، إنها كالبدر ليلة تمام التمام ، ذات القلب الطيب الصافي مثل الحليب على الريق ، و من زبده بلسم يداوي الجراح ، على شفتيها ترياق قطرة واحدة منه تشفي السقيم و تجبر الكسير، مسح على رأسها و همس ببضع كلمات ، رفعت رأسها موافقة و عاد ينظر من حوله و الغبطة تشده من رأسه إلى أخمص قدميه ، فجأة رن الهاتف .
نظر للرقم المألوف استأذن من زوجه و شق طريقه بين الصفوف الصاخبة ، مشى مسافة لا بأس بها مبتعدا عن ضجيج العرس ، فتح الخط و لم ينبس ببنت شفة :
ـ ألن تقول مرحبا ؟
سمع صوتها ، تسمرت فواصله ، تسارعت دقات قلبه ثم أردفت :
ـ ألف مبروك أتمنى لك حياة سعيدة .
تنفس الصعداء ثم أطلق سعلة جافة و قال :
ـ شكرا لك .
ـ أنت الذي اعتدت القول ، ليس بيننا شكر .
ـ و أنا الذي حملت الخير للبر و البحر .
ـ لا تنكر الخلائق فعالك .
ـ لكنها لا تقابل الإحسان بالمعروف .
ـ ليس لكريم مثلك أن ...
ترددت في الكلام و تغيرت نبرة حديثها خانقة ثم أكملت :
ـ أنت الذي كسوت التعاسة بالسعادة .
ـ و أنا الذي انفطر قلبه بهذه العادة .
ـ كيوسف أنت تحسن و تشكر .
ـ كزليخة أنت تؤذي و تنكر .
انقبض صدرها في اخر ما انتهى لأذنيها من أحرف قاسية فغيرت مجرى الحديث :
ـ صارت النجوم أيسر تناولا .
ـ أفلتت راحة يدك القمر .
ـ أليس هناك أمل أن تدور الأفلاك .
ـ إن شاءت سوف تندثر الآمال .
كأن غصة وقفت على حلقها فهتفت :
ـ لست المتسرع في اتخاذ القرارات .
ـ على مهل أتبع الخطوات .
ـ من اعتاد التدلل يزيده التفاؤل إصرار .
ـ ومن انزاحت يمناه عن العيش الرخي و الحب الهني سار إلى زوال .
ـ وهل على الثرى من تقيس الفلاح بالكفاح ؟
ـ بل تخيط الجراح دون قراح .
ساد صمت لبرهة ثم سألت بصوت ضعيف :
_ هل بقي لي أثر في السفينة القابعة في يسراك. ؟
_ تفوح منها عطر راكب جديد أصلح النذوب.
ـ هل هي جميلة ؟
ـ بحضورها تكتمل معالم الصورة هي القمر يدور و هي النجوم سابحات .
ـ سيكون جزء مني هناك معها ؟
ـ قد أهديت كلي لها .
سمعت هسهسة قط هارب ، و شهقة مشتاق عاتب ، تحت جناح العتمة فقدت كل خيوط الرجاء ، فقالت و الأحرف تخرج متقاطعة :
ـ هل لي بطلب .
ـ لا أذكر أني رفضت لك طلبا .
ـ خزائن كرمك لا تنتهي ، هل سميت ابنتك على اسمي كي تذكرني ؟
ـ لا .
كان الجواب صدمة طرح جسمها براثين الجحيم فانسابت دموعها تسبق عبراتها :
ـ لماذا ؟
ـ وما جزاك المعروف معك .
ـ حقق لي هذه الأمنية و لن أتصل بك بعد اليوم .
ـ الحق أني كنت واهب الهدايا و محقق الأمنيات فبما تنفعني التسمية غير الأحزان التي تحرك الأشجان ؟ سوف أحذف رقمك و أمسح الأغاني التي تذكرني بك و لا يخالجنك الشك أنني أود أن يمحى ذكرك من الوجود .
أقفل الخط ثم قسم البطاقة نصفين و عاد لمجلسه فوضع يده فوق اليد الأخرى التي كتب لها اللقاء .
محمدفي ليلة زفافه ، شرد ذهنه بين الأنام الفرحين و انسابت الذكريات تباعا تحجب البصر ، مثلت أمامه تلك التي ظن أنها مصباح الدجى تبتسم كما اعتاد أن يسعدها، بابنة الأكرمين ينادي عليها ، يدللها ومن شدة الحب انفطر قلبها ، أضاء الظلمة المعتمة في فؤادها ، انتشلها من وحشتها ، بسط يد الرعاية حتى حاكت خيوط العناية نسيجا لف كيانها ، فما كان من ذلك غير الإهمال بالمقابل و القساوة بدل الحنان ، فضاعت أقفال جمعت بين قلبين ، و هتكت بوتقة انصهرت داخلها روحين ، وما فائدة هذه الأراجيف وهذا الحنين لأيام غابرة طمرت جوف الثرى ، و ما إن أفاق من تلك الغفوة نظر لزوجه وابتسم لها ، إنها كالبدر ليلة تمام التمام ، ذات القلب الطيب الصافي مثل الحليب على الريق ، و من زبده بلسم يداوي الجراح ، على شفتيها ترياق قطرة واحدة منه تشفي السقيم و تجبر الكسير، مسح على رأسها و همس ببضع كلمات ، رفعت رأسها موافقة و عاد ينظر من حوله و الغبطة تشده من رأسه إلى أخمص قدميه ، فجأة رن الهاتف .
نظر للرقم المألوف استأذن من زوجه و شق طريقه بين الصفوف الصاخبة ، مشى مسافة لا بأس بها مبتعدا عن ضجيج العرس ، فتح الخط و لم ينبس ببنت شفة :
ـ ألن تقول مرحبا ؟
سمع صوتها ، تسمرت فواصله ، تسارعت دقات قلبه ثم أردفت :
ـ ألف مبروك أتمنى لك حياة سعيدة .
تنفس الصعداء ثم أطلق سعلة جافة و قال :
ـ شكرا لك .
ـ أنت الذي اعتدت القول ، ليس بيننا شكر .
ـ و أنا الذي حملت الخير للبر و البحر .
ـ لا تنكر الخلائق فعالك .
ـ لكنها لا تقابل الإحسان بالمعروف .
ـ ليس لكريم مثلك أن ...
ترددت في الكلام و تغيرت نبرة حديثها خانقة ثم أكملت :
ـ أنت الذي كسوت التعاسة بالسعادة .
ـ و أنا الذي انفطر قلبه بهذه العادة .
ـ كيوسف أنت تحسن و تشكر .
ـ كزليخة أنت تؤذي و تنكر .
انقبض صدرها في اخر ما انتهى لأذنيها من أحرف قاسية فغيرت مجرى الحديث :
ـ صارت النجوم أيسر تناولا .
ـ أفلتت راحة يدك القمر .
ـ أليس هناك أمل أن تدور الأفلاك .
ـ إن شاءت سوف تندثر الآمال .
كأن غصة وقفت على حلقها فهتفت :
ـ لست المتسرع في اتخاذ القرارات .
ـ على مهل أتبع الخطوات .
ـ من اعتاد التدلل يزيده التفاؤل إصرار .
ـ ومن انزاحت يمناه عن العيش الرخي و الحب الهني سار إلى زوال .
ـ وهل على الثرى من تقيس الفلاح بالكفاح ؟
ـ بل تخيط الجراح دون قراح .
ساد صمت لبرهة ثم سألت بصوت ضعيف :
_ هل بقي لي أثر في السفينة القابعة في يسراك. ؟
_ تفوح منها عطر راكب جديد أصلح النذوب.
ـ هل هي جميلة ؟
ـ بحضورها تكتمل معالم الصورة هي القمر يدور و هي النجوم سابحات .
ـ سيكون جزء مني هناك معها ؟
ـ قد أهديت كلي لها .
سمعت هسهسة قط هارب ، و شهقة مشتاق عاتب ، تحت جناح العتمة فقدت كل خيوط الرجاء ، فقالت و الأحرف تخرج متقاطعة :
ـ هل لي بطلب .
ـ لا أذكر أني رفضت لك طلبا .
ـ خزائن كرمك لا تنتهي ، هل سميت ابنتك على اسمي كي تذكرني ؟
ـ لا .
كان الجواب صدمة طرح جسمها براثين الجحيم فانسابت دموعها تسبق عبراتها :
ـ لماذا ؟
ـ وما جزاك المعروف معك .
ـ حقق لي هذه الأمنية و لن أتصل بك بعد اليوم .
ـ الحق أني كنت واهب الهدايا و محقق الأمنيات فبما تنفعني التسمية غير الأحزان التي تحرك الأشجان ؟ سوف أحذف رقمك و أمسح الأغاني التي تذكرني بك و لا يخالجنك الشك أنني أود أن يمحى ذكرك من الوجود .
أقفل الخط ثم قسم البطاقة نصفين و عاد لمجلسه فوضع يده فوق اليد الأخرى التي كتب لها اللقاء .
محمد عزيز سلطان